مايكل آ. بلومبرغ
TT

طموحنا القادم إنقاذ مناخ الأرض

منذ خمسين عاماً ماضية، هبطت سفينة أبولو 11 على سطح القمر. ويقتضي الإنصاف القول بأن طاقم السفينة الفضائية لم يكن ليصل إلى القمر من دون معاونة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ذلك أن أنظمة الملاحة والسيطرة في «أبولو 11» جرى تصميمها داخل المعهد.
وقد تطلب الوصول بإنسان إلى سطح القمر حل مشكلات كثيرة ومعقدة. وربما كان أكبر هذه المشكلات كيفية توجيه سفينة فضائية عبر رحلة يبلغ طولها نصف مليون ميل. إلا أن أساتذة المعهد وطلبته تمكنوا من حل هذه المشكلة عبر بناء كومبيوتر يبلغ حجمه 1 قدم مكعب في وقت كانت الكومبيوترات تتسم بأحجام عملاقة تكفي لشغل مساحة غرفة بأكملها.
أما السبب الوحيد الذي دفع مهندسي معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا نحو مجرد محاولة بناء هذا الكومبيوتر، فكان أنه قد طلب منهم المعاونة في تحقيق إنجاز اعتبرته الغالبية سيكون مستحيلاً أو لا داعي له.
جدير بالذكر أن الصعود إلى القمر لم يكن فكرة تحظى بشعبية واسعة في ستينات القرن الماضي، ولم يرغب الكونغرس في تمويلها. واحتاج الرئيس جون إف. كينيدي إلى إقناع دافعي الضرائب بأن إرسال سفينة فضاء بطاقم بشري إلى القمر أمر ممكن، ويستحق المحاولة.
وعليه، ألقى خطاباً عام 1962 ألهم الأمة بأسرها. وقال: «اخترنا الصعود إلى سطح القمر هذا العقد، وإنجاز الأمور الأخرى، ليس لأنها سهلة، وإنما لأنها صعبة».
وبذلك، أوجز كينيدي في عبارة واحدة الرغبة الكامنة في النفس البشرية في الجنوح دوماً نحو تحقيق المستحيل. وأضاف: «لقد قبلنا خوض هذا التحدي، ولن نؤجله، وننوي الفوز في تحقيقه». بمعنى آخر، من أجل خير الولايات المتحدة والبشرية، يجب إنجاز هذا الأمر.
وقد كان كينيدي محقاً. وبالفعل، قطع نيل آرمسترونغ خطوة عملاقة في تاريخ البشرية، وحققت الولايات المتحدة فوزاً ضخماً في إطار الحرب الباردة، وأثمر عقد من الابتكار التكنولوجي حقبة غير مسبوقة من التقدم التكنولوجي. ونجحت الاختراعات التي خرجت من رحم رحلة الصعود إلى القمر في تغيير وجه العالم: الأقمار الصناعية التلفزيونية والشرائح الكمبيوترية الدقيقة وأجهزة التصوير المقطعي المحوسب.
اليوم، يبدو العالم الذي نحيا فيه مختلفاً بصورة جوهرية، ليس فقط لأننا هبطنا على سطح القمر، وإنما لأننا حاولنا فعل ذلك من الأساس. والآن، يبدو أن الرئيس كينيدي دعا إلى الصعود إلى القمر في اللحظة التاريخية المناسبة تماماً. وهبت أذكى عقول الأمة للمعاونة في إنجاز هذا الهدف.
اليوم، أشعر أننا نعايش لحظة مشابهة، لكن هذه المرة تتمثل المهمة الأهم والأكثر إلحاحية في إنقاذ كوكبنا من تداعيات التغييرات المناخية. وعلى خلاف الحال عام 1962، فإن التحدي الأساسي هنا ليس علمياً ولا تكنولوجياً، وإنما سياسياً.
الحقيقة أننا أتقنا بالفعل التكنولوجيا اللازمة لتناول التغييرات المناخية، فنحن نعلم كيف يمكن تزويد البنايات بالطاقة باستخدام الشمس والرياح، وكيفية تسيير المركبات ببطاريات تشحن بصورة متجددة من الطاقة، وكيفية تشغيل مصانع بالاعتماد على وقود الهيدروجين وخلايا الوقود. وندرك جيداً أن هذه الابتكارات لا تتطلب منا تقديم الإقدام على تضحيات مالية أو اقتصادية، وإنما العكس تماماً: فالاستثمارات في هذه الابتكارات تخلق وظائف وترشد إنفاق الأموال.
كل ما تتطلبه مصادر الطاقة تلك اليوم إيجاد سبل للاستفادة منها على نطاق واسع، الأمر الذي سيتطلب مزيداً من الابتكار العلمي. إلا أن السؤال اليوم ليس «كيف يمكننا التعامل مع التغييرات المناخية»، وإنما «لماذا نتحرك بهذا البطء الشديد؟».
إننا اليوم في سباق ضد الزمن، والواضح أننا نخسر السباق. ومع كل عام يمر، يبدو واضحاً أننا تأخرنا كثيراً وأن الوضع يتردى بسرعة بالغة، وأن النتائج قد تكون مأساوية للغاية.
خلال العقد الماضي فقط، شاهدنا أعاصير غير مسبوقة دمرت جزراً بأكملها عبر منطقة الكاريبي. ورأينا سيولاً لم يحدث مثلها منذ ألف عام تضرب منطقة الغرب الأوسط وجنوب الولايات المتحدة مرات عدة. ورأينا حرائق غابات بمعدلات قياسية تجتاح كاليفورنيا وأعاصير بسرعات مجنونة تقتل الآلاف في الفلبين.
لا شك أن هذه كارثة حقيقية. وإذا أخفقنا في الارتقاء لمستوى الحدث، فإن جيلكم الذي يمثل جيل أبنائنا وأحفادنا سيتكبد ثمناً مروعاً.
من جهتهم، يدرك العلماء جيداً أنه لا ينبغي مطلقاً التأخر في التحرك، وبالفعل بدأت الكثير من الحكومات والقيادات السياسية بمختلف أرجاء العالم إدراك هذا الأمر. ومع هذا، نجد أننا هناك داخل الولايات المتحدة تسعى حكومتنا الفيدرالية لأن تصبح الدولة الوحيدة في العالم التي تنسحب من اتفاق باريس لمكافحة التغييرات المناخية.، وحتى كوريا الشمالية لم تقدم على ذلك.
في الوقت ذاته، فإن النافذين في واشنطن الذين ينكرون الحجج العلمية وراء التغييرات المناخية يشبهون في إدراكهم للواقع أولئك الذين اعتقدوا أن الهبوط على سطح القمر كان زائفاً. إلا أنه في الوقت الذي يجري تهميش أصحاب نظريات المؤامرة المتعلقة بالهبوط على سطح القمر والتعامل معهم كمجموعة تعاني البارانويا، فإن المشككين في التغييرات المناخية يشغلون أعلى مناصب السلطة داخل الحكومة.
وبدلاً من دفع الأميركيين نحو الإيمان بقدرتنا على غزو الكون، مثلما فعل الرئيس كينيدي، تذعن الإدارة الحالية للمشككين الذين في ستينات القرن الماضي نظروا إلى برنامج الفضاء ولم يروا سوى التكاليف قصيرة الأجل، وليس الفوائد بعيدة المدى.
جدير بالذكر أن حقبة الرئيس كينيدي فازت بلقب «الجيل الأعظم»، ولم يكن ذلك لمجرد أنهم صمدوا حتى اجتازوا «الكساد الكبير» وخرجوا منتصرين من الحرب العالمية الثانية، وإنما لعزيمتهم وابتكارهم وقدرتهم على تحقيق الحلم الأميركي.
اليوم، يملك هذا الجيل فرصة الانضمام إليهم في كتب التاريخ. ويكمن التحدي القائم في وقف التغييرات المناخية هو تحد يفوق كل ما جابهته البشرية من قبل. وإذا ترك هذا التحدي دون مواجهة، فإن الأزمة الناجمة عنه تحمل في طياتها أخطار الحروب والجفاف والجوع وتدمير الحياة في المحيطات وغرق المجتمعات الساحلية وتدمير المزارع ونشر الأوبئة. ويدفع البعض بالقول إنه يتعين علينا ترك الأمر في يدي الله، لكن معظم القيادات الدينية ترفض هذا المنطق. ودعونا نسأل: أين في الإنجيل أو التوراة أو القرآن أو أي كتاب ديني أو فلسفة دينية أخرى، توجد تعاليم توجهنا لضرورة الإقدام على أفعال تزيد حدة الفيضانات والحرائق والأوبئة؟
ولحسن الحظ، يقبل غالبية الأميركيين من أنصار الحزبين الجمهوري والديمقراطي أن النشاطات البشرية هي الدافع المحرك للتغييرات المناخية، ويرغبون في اتخاذ الحكومة تحركات للتصدي لهذا الأمر.
ومع هذا، فإنه على جميع المعنيين بالأزمة المناخية الاتفاق على حقيقتين: أولاً: بالنظر إلى المعارضة داخل مجلس الشيوخ والبيت الأبيض، ليس هناك أدنى احتمال لتمرير مثل هذه السياسات قبل عام 2021.
ثانياً: لا يمكننا إرجاء التحرك ضد التغييرات المناخية، والطبيعة لن تنتظر عقدنا الانتخابات الرئاسية المقبلة، ونحن أيضاً يجب ألا ننتظر.
* عمدة مدينة نيويورك السابق ومؤسس وأحد كبار ملاك
شركة «بلومبرغ»
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»