استضافت الملكة إليزابيث الثانية الرئيس الأميركي دونالد ترمب في زيارة كانت الأهم في رفع مستوى العلاقات الأنغلوأميركية منذ ستة عقود.
الرئيس الخامس والأربعون لأميركا كان رأس الدولة الثالث عشر بعد المائة كضيف «دولة» في قصر باكنغهام.
الأول، في العهد الملكي الواحد والستين، كان غوستاف السادس، ملك السويد الراحل في 28 يونيو (حزيران) 1954، بينما ترمب لا يزال يلهو بهدية عيد ميلاده الثامن قبل أسبوعين.
أنجح زيارات لإصلاح العلاقات عبر الأطلسي كانت زيارة «عمل» لا «دولة» في 1959 للرئيس دوايت أيزنهاور (1890 - 1969، الرئيس الرابع والثلاثين 1953 - 1961) بدعوة هارولد ماكميلان (1894 - 1986 ترأس الحكومة 1957 - 1963)، فأصلحت خلاف حرب السويس 1956 باستقباله بحفاوة شعبية من جماهير لا تزال تذكر قيادته لقوات الحلفاء قبل 15 عاماً للانتصار على النازية.
أيزنهاور طلب سيارة مكشوفة ليلوح لجماهير احتشدت لتحيته، وقتها كانت كل عربات الحكومة والقصر كلاسيكية مغلقة، فأعار رجل أعمال لندني سيارته الرولز رويس المكشوفة للضيف.
لقاء الملكة إليزابيث، أكثر سيدة معروفة في العالم اليوم، كانت الجائزة الكبرى للرئيس ترمب وأفضل ترقية في سلكه الوظيفي، والهدية التي حلم بها لسنوات طويلة لعيد ميلاده الثالث والسبعين ويصادف الجمعة المقبل (14 يونيو).
الزعيم الذي يخشى العالم إشارة منه ترفع أسعار البورصات أو تهبطها، أو تخرب اقتصاد دولة، كان هذا الأسبوع في سعادة طفل احتل محل ألعاب وحده.
فهي زيارة الدولة الثالثة فقط لرئيس أكبر وأقوى وأغنى دولة في العالم، كان قال إنها كانت حلم صباه، فأمه أسكوتلندية أرضعته حب بريطانيا والولاء لملكها، جورج السادس (1895 - 1952 وراعي العرش الإمبراطوري 1936 - 1952) عندما حارب الأميركيون بجانب الجيوش البريطانية، التي تطوعت فيها ابنة السادسة عشرة الأميرة إليزابيث لتقود عربة إسعاف عسكرية في حرب انتهت بدحر الفاشية والنازية قبل مولد دونالد بثمانية أشهر.
يوم الأربعاء الماضي عبرت الملكة، بجانب ضيفها الأميركي و14 من زعماء تحالف الحرب الثانية عن صلابة وصمود جيلها بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين ليوم نزول الحلفاء على شاطئ نورماندي لتحرير أوروبا.
يوم 6 يونيو 1944 وحده بلغت خسائر الأميركيين 6603 ما بين قتيل ومصاب بجروح إعاقة، بجانب 2700 بريطاني و946 كندياً و249 جنسيات أخرى.
زيارة ترمب في الصيف الماضي كانت «عمل»؛ لكنه قابل الملكة بصفته رئيس دولة؛ فالنظام الجمهوري، بخلاف النظام البرلماني يجمع فيه الرئيس بين الحكومة والدولة.
أول دعوة زيارة دولة لرئيس أميركي كانت لجورج بوش الابن في 2003 (الرئيس الثالث والأربعين 2001 - 2009) للتأكيد على العلاقة الخاصة التي زرعت بذرتها في الحرب العالمية الثانية.
بوش رأى معاني عميقة، سياسياً وتاريخياً، في عبارة «شعب المملكة المتحدة يقف كتفاً إلى كتف مع الشعب الأميركي» كتأييد لا يقدر بثمن (رغم قدرة أميركا وحدها على مواجهة الخصوم الخارجيين).
تصريح رئيس الوزراء العمالي وقتها توني بلير (1997 - 2007)، من أبرع التصاريح التلغرافية (الصاوند بايت) فور عدوان «القاعدة» الإرهابي على أميركا في 11 سبتمبر (أيلول) 2001.
أعاد بلير للرأي العام العالمي العلاقة بين البلد الأم والحليف الأقوى الذي دخل الحرب بجانبها في ربيع 1942 بقرار الرئيس الثاني والثلاثين فرانكلين روزفلت (1882 - 1945، ورئيساً في البيت الأبيض 1933 - 1945 قبل التعديل الثاني والعشرين للدستور في 1951 بتحديد الرئاسة بفترتين).
بداية أقوى تحالفات العصر الحديث أسسها، بزيارته التاريخية إلى واشنطن في شتاء 1941، السير ونستون تشرشل (1874 - 1965) الذي دائماً يختاره الشعب في كل استطلاع للرأي كأعظم رئيس وزراء (1940 - 1945 و1951 - 1955)؛ وغيرت قيادته، في أحلك الساعات، مسار الحرب، منقذاً بحنكته السياسية وتحالفه مع واشنطن العالم من بربرية النازية والفاشية، وأرسى قواعد الديمقراطية التي، للمفارقة، تتيح الحرية للجيل الحالي المدلل للخروج في مظاهرات وإطلاق بالونات وتعبيرات مهينة لضيف ملكة البلاد.
حاول بلير رفع حرارة التعاون إلى ما كانت عليه قبل عقد، كأعلى مستوى تصل إليه منذ صداقة تشرشل وروزفلت؛ علاقة الليدي ثاتشر (1925 - 2013) التشيرشيلية الصلبة في الحكم (1979 - 1990) برونالد ريغان (1911 - 2004 الرئيس الأربعين 1981 - 1989)، في التحالف الذي كسب الحرب الباردة لصالح العالم الحر بلا خوض مواجهة عسكرية.
جاء ريغان في زيارة عمل بدعوة الحكومة لا القصر. فزيارات رؤساء الدول تقسم بروتوكولياً حسب التركيبة الدستورية للمملكة المتحدة، التي تفصل الحكومة التي تتغير بالانتخابات عن الدولة بمؤسساتها الثابتة التي ترأسها الملكة.
زيارة العمل والزيارة الرسمية لرئيس حكومة، قد يكون رئيس دولة في النظام الجمهوري وعندئذ يلتقيه من تنوبه الملكة كمجاملة بروتوكولية.
زيارة الدولة، ويسجلها التاريخ كمقدمة للصداقة والتعاون بين الدولتين، تأتي فقط بدعوة من القصر (باقتراح من 10 داوننغ ستريت) وتوجه مرة واحدة في حياة رئيس أي دولة، ولا تتكرر إلا لخليفته كتأكيد للصداقة.
زيارات عشرة رؤساء، من ثلاثة عشر رئيساً في عهد إليزابيث الثانية كانت «عمل» صادفت قمماً اقتصادية أو حلف الأطلسي.
ورغم شعبية مؤسسة التاج الهائلة بين الأميركيين فإن العلاقة السياسة معقدة منذ إعلان «المستعمرات» استقلالها في 1776.
ولا تزال شخصية الإنجليزي المتآمر هي الشرير الماكر كرأس مدبر في ثقافة هوليوود السينمائية.
كان باراك أوباما (الرئيس الرابع والأربعون 2009 - 2017) اختار معركة حاسمة ضد بريطانيا في حرب الاستقلال (1775 - 1783) كمحور خطاب تنصيبه في 20 يناير (كانون الثاني) 2009؛ ومزح في 2012، أثناء زيارة ديفيد كاميرون (ترأس الحكومة 2010 - 2016) بألا يحرق البيت الأبيض، إشارة لقصف الجيش البريطاني لواشنطن 1814 (رداً على عدوان الولايات المتحدة على كندا البريطانية)؛ وتأكدت كراهيته لبريطانيا بإزالته تمثال تشرشل من المكتب البيضاوي رغم تلقيه في 2011 دعوة ثالث زيارة دولة لرئيس أميركي.
كان كاميرون الشاب منبهراً بنجاح بلير في ترويج شعبية العمال فحاول تقليده باصطياد أصوات جديدة للمحافظين، متبعاً نصيحة السيدة ثاتشر لبلير عقب فوزه الكاسح في انتخابات 1997 بأن المصلحة الوطنية تقتضي تقوية العلاقات مع واشنطن قبل أي تحالف آخر. وبحسابات جذب الأصوات الليبرالية اقترح كاميرون على القصر دعوة أول رئيس أميركي أسود.
أوباما هدد البريطانيين بوضعهم في «آخر الطابور» إذا صوتوا للبريكست في زيارته أثناء حملة الاستفتاء في 2016.
ترمب في زيارته كالرئيس الأميركي الثالث عشر الذي تستقبله الملكة منذ لقائها، كأميرة في 1951، هاري ترومان (1844 - 1962 الرئيس الثالث والثلاثين 1945 - 1953) كرر أن بريطانيا دائماً في أول الطابور.
وبتغطيتي للزيارات منذ 1969 زيارة ريتشارد نيكسون (1913 - 1994 الرئيس السابع والثلاثين 1969 - 1974) كانت زيارة ترمب الذي أعاد تمثال تشرشل إلى مكانه المرموق في البيت الأبيض ناجحة بمقاييس ستة عقود.
9:58 دقيقه
TT
تجديد العلاقة الخاصة
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
