على حافة الهاوية

على حافة الهاوية

الخميس - 25 شهر رمضان 1440 هـ - 30 مايو 2019 مـ رقم العدد [14793]
حنا صالح
كاتب لبناني
حدثان قلبا المشهد في الخليج والمنطقة؛ الأول التقاط صور من الجو لبدء الحرس الثوري تجهيز القوارب السريعة بالصواريخ، والثاني التقاط صور أرضية لمنصات صاروخية ضخمة في محيط مدينة البصرة موجهة نحو المعسكرات الأميركية. ويقول إياد علاوي، رئيس الوزراء العراقي الأسبق، إنها تستهدف أيضاً دول الخليج. تزامن ذلك مع الاعتداء الذي ألحق أضراراً بـ4 ناقلات نفط في بحر عُمان، وتالياً استهداف محطتي ضخ النفط في السعودية، ما شكّل تحدياً بتهديد الممرات المائية الدولية وشرايين الاقتصاد العالمي!
مايك بومبيو حمل صور منصات الصواريخ إلى بغداد، وكشف عن كيفية نقل الصواريخ الإيرانية بصهاريج المياه، وأضاء على الدور الموكل من «الحرس الثوري» إلى فصائل «الحشد»، وحذّر القادة العراقيين من مغبة تحول العراق منصة عدوان على القوات الأميركية، مؤكداً أن المعتدي سيعاقب. وأعلنت واشنطن اعتزامها محاسبة القيادة الإيرانية على أي عدوان. كان لافتاً حجم التحرك الأميركي للردع، ولا شك أنه فاجأ قادة إيران، ووضعهم أمام حتمية وقف تهديد دول الجوار، ووقف اختراق الحدود، وتغيير السلوك، لأنه اشتمل على تحريك قوة بحرية كبرى وقاذفات استراتيجية، وإعادة انتشار عسكري في الخليج ودول المنطقة.
حتى اللحظة، تعلن واشنطن أنها لا تريد الحرب، وباب التفاوض مفتوح، وتشجع الوساطات، لكن العقوبات مستمرة وستتسع. ويقول الرئيس ترمب إن أميركا لا تسعى للتفاوض، و«إذا أرادت طهران، عليها القيام بالخطوة الأولى»، أما «إذا أرادت خوض حرب، فستكون بمثابة إعلان النهاية لنظامها». بالمقابل، فإن طهران التي تأكدت بصماتها في الاعتداء على الناقلات وأنابيب النفط، تعلن أنها لا تريد الحرب، ولا المفاوضات في ظلِّ العقوبات. ولخص الرئيس روحاني الموقف بقوله إنها «حرب غير مسبوقة في تاريخ ثورتنا الإسلامية»، وتبعاً للحالة الراهنة فإن «الظروف الحالية غير مواتية للتفاوض، بل للمقاومة والصمود»!
لم يقتنع حكام طهران بوجود منحى جديد في السياسة الأميركية.. منحى التعامل مع النظام الإيراني بوصفه من أبرز رعاة الإرهاب والتطرف وتهديد الأمن الدولي، بعدما كان الملالي حتى الأمس القريب قد استندوا في نهجهم للهيمنة إلى تحالف غير معلن مع أميركا، بدأ مع قرار حل الجيش العراقي، ما سهّل لهم ملء الفراغ. وتطور بين العامين 2008 و2016، فاستفادوا من مليارات الدولارات في ظل إدارة الرئيس أوباما، ما مكنهم من تطوير برنامجهم الباليستي من جهة، ومن جهة ثانية استثمروا الأموال في الميليشيات التابعة لهم، مثل «الحشد الشعبي» و«الحوثي» و«حزب الله» وغيرها، ليكرسوا جيوشاً رديفة مستندة إلى متغيرات مجتمعية، ما سهل مهمة تجويف هذه الدول، وتحويل سلطاتها إلى مجموعات تتناحر على الغنائم! بهذا الإطار، ترفض طهران طروحات «تغيير السلوك»، لأنها تعتقد أن الوقت في مصلحتها، وأن لديها بنكاً لا ينضب من الأهداف الأميركية، ومن القوى الحليفة للولايات المتحدة، كما حدث في تخريب الناقلات في مرفأ الفجيرة، وفي استهداف خطوط الخام السعودي، والرهان كبير في طهران على أن تنظيم مثل هذه الاعتداءات قد يدفع الإدارة الأميركية إلى التراجع، فتعلن إيران الانتصار! لكن ما لم يكن في حساب طهران هو تشدد واشنطن في العقوبات، وما ينجم عنها من انهيارات، معطوفاً على جهوزية للردع العسكري لوضع حدٍ للاستفزازات. وقد أظهرت المناقشات مع مجلسي النواب والشيوخ تبلور معالم استراتيجية ردع للنظام الإيراني، وسرعان ما تقرر إرسال قوات إضافية، في رسالة مدوية تفهمها جيداً طهران.
في خِضمِّ الصراع الكبير على المنطقة العربية، تواصل طهران سياسة مزدوجة، منطلقة من خلفية مفادها أن شراء الوقت يصب في خدمة مخططاتها، بانتظار الانتخابات الرئاسية في أميركا في عام 2020. يعلن رئيس لجنة الأمن القومي أن إيران «تحت أي ظرف، لن تدخل حرباً ضد أميركا»، ويعلن قائد «الحرس الثوري» أن بلاده لا تسعى للحرب. وشكلت الدعوة عبر الإعلام لمعاهدة عدم اعتداء مع دول الجوار آخر نكتة سمجة للتغطية على جوهر الموقف، وإن تزامن ذلك مع معلومات عن تراجع جزئي، مثل تفكيك الصواريخ عن متن القوارب السريعة، وإبداء الاهتمام بزيارة يوسف بن علوي، الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية العماني، الذي نقل رسالة مفادها أن واشنطن جادة في اتخاذ إجراءات صارمة تجاه أنشطة إيران الإرهابية. وبالتزامن أيضاً، يستوقف المتابعين ما تم التعبير عنه من بيروت، عندما طلبت السلطات اللبنانية و«حزب الله»، جهة فاعلة في القرار اللبناني، وساطة واشنطن لترسيم الحدود مع إسرائيل، ليتمكن لبنان من استثمار ثرواته. ومقابل كل ذلك، يستمر نقل الصواريخ إلى منصات مطلة على الخليج، بعد التمركز في محيط البصرة، وتتكثف شحنات الصواريخ إلى سوريا ولبنان، وتكشف واشنطن عن اعتراض اتصالات من طهران توجه «الحشد» و«حزب الله» لضرب المصالح الأميركية، الأمر الذي يعني استمرار الاستثمار في الإرهاب، والتجهيز للحرب دفاعاً عن مشروع التوسع والهيمنة!
لعب النظام الإيراني دائماً على حافة الهاوية، ودوره المزعزع لبلدان المنطقة تجسد عبر خراب سوريا والعراق واليمن، والهيمنة على القرار اللبناني. لكن على مدى نحو عقدين، وتحديداً منذ أحداث 11 سبتمبر (أيلول) في نيويورك حتى عام 2017، كانت إيران في موقع القبول الأميركي، والتعاون الأوروبي، والدعم الروسي والصيني. هذا الوضع تغير، وكل الأنظار مشدودة إلى الأفعال الإيرانية، إنْ في استئناف تخصيب اليورانيوم، وما يحمله من تحدٍ للعالم، أو في بصمات الإرهاب، مثل استهداف الناقلات وخطوط النفط. ولعل المواقف التي أدلى بها الرئيس الروسي بوتين خير تعبير عن عزلة النظام الإيراني، بقوله: «لن تكون روسيا قادرة على لعب دور فريق الإطفاء بشكلٍ مستمر... ولا تستطيع الدول الأوروبية فعل شيء لتعويض إيران خسائرها». ويضيف: «الأفضل لطهران عدم الانسحاب من الاتفاق النووي مهما كانت الظروف»، فهل يتعظ نظام خامنئي؟
اليوم، بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، بات التضخم في إيران 52 في المائة، وارتفعت الأسعار 82 في المائة، والانهيار النقدي مريع، وواشنطن التي اتخذت خطوات للردع غير مهددة لكي توجه الآن ضربات عسكرية، فالعقوبات تفعل فعلها، وكل يوم يمر يزداد شلل إيران وأذرعتها، لكن الانزلاق إلى الحرب وويلاتها أمر وارد. من هنا، أهمية مبادرة الملك سلمان بالدعوة لقمتين طارئتين، خليجية وعربية، للتأكيد على أن العرب ليسوا على منصة المتفرجين، وأنه لا بديل عن موقف حازم من تهور النظام الإيراني لمنعه من الاستمرار في نشر الدمار والفوضى، وإلاّ البديل جاهز، وهو الشرب من كأس السم التي شرب منها الخميني أواخر الثمانينات.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة