قلب الإرهاب أم عقله؟

قلب الإرهاب أم عقله؟

الثلاثاء - 17 شهر رمضان 1440 هـ - 21 مايو 2019 مـ رقم العدد [14784]
يوسف الديني
كاتب سعودي
سيظل إلى أجل غير مسمى ملف الإرهاب هو الأول على قائمة القضايا الكبرى التي يعاني منها عالم اليوم، إذ يزداد القلق في المجتمع الدولي بأسره، وليس في الدول التي تتعرض لعمليات إرهابية تتذرع بإرادة التغيير العنفي للواقع.
التطرف بكل صوره وأشكاله لم يعد جدلاً داخلياً، بل أصبح تياراً «معولماً» تحاول التنظيمات الإرهابية استغلال حضوره الطاغي على مشهد الأحداث لتنفّذ بوسائلها الإعلامية نصب الفخاخ لعقول الناشئة بهدف اجتذاب المزيد من الأنصار والمتعاطفين الذين يمكن تحويلهم إلى عناصر «تضحوية» بسهولة في ظل غياب البرامج المضادة التي تحاصر هذا الفكر المتطرف باستراتيجية بعيدة المدى تصل إلى قلوب الشباب وعقولهم وتقدم البدائل الملموسة لهم.
أصبح عبء الإرهاب الأمني يلقي بظلاله على كل دول العالم ودون استثناء، لكن هذا العبء أيضاً انعكس على مسألة أساسية تغيب في زحام الأحداث الإرهابية التي تتصدر المشهد بوتيرة سريعة؛ وهي الجانب الفكري في المسألة، فإذا كان ثمة تراجع في الدافع الديني للكوادر الشابّة المأخوذة بميديا التنظيمات الإرهابية المتطورة؛ فإن المحرّك للشعارات وبناء خطابات التجنيد والاستثمار في المقاتلين فكرياً ما زال هو الخزان الذي يعتمد عليه الإرهابيون في ملء نضوب تنظيماتهم متى اشتد الخناق عليها أو تمت محاصرتها مالياً.
في زحمة الفتاوى والبرامج الدينية كل عام تتكرر الأسئلة والإجابات ذاتها عن مسائل شرعية تفصيلية، معظمها يدخل في مجال المباحات أو الأحكام التعبدية التي يعاد السؤال عنها بـ«وَرَع بارد» مع جذوة الحماسة الدينية في شهر رمضان، وهذا كله أمر متفهَّم ولا غبار عليه. لكن الإشكالية تبدأ من تحول الأسئلة عن مجالها الشرعي إلى مجالات أخرى سياسية واقتصادية، ويتم الزج بقائمة طويلة من أعقد القضايا الشائكة التي يعاني منها العالم على أكثر من مستوى، ليطالَب الشيخ وبشكل ارتجالي بالبت فيها، ومن ثمّ تتحول رؤيته الشخصية إلى موقف شرعي يتم تداوله وتحويله إلى منتجات ثقافية تبدأ برسائل الجوال وتنتهي إلى مشاريع وحملات احتجاجية على مواقع الإنترنت، وكل فئة تنتمي إلى تيار فكري معين تستجلب مثل هذه المواقف المرتجلة لتأييد رؤيتها الخاصة في صراعها مع المنافسين أو حتى الخصوم من المعارضين لهكذا استغلال للشعارات الدينية التي تعبّر عن اجتهادات شخصية، وليست معبرة عن خطاب ديني مستند إلى رؤية شرعية بحثية قائمة على الفحص والتأمل وقراءة الواقع بأدوات متخصصة.
هناك اضطراب شديد وحمى بيانات وفتاوى مرسلة هذه الأيام، أغلبها لا يعدو أن يكون تسجيل موقف بشكل انطباعي من طرف الذهن، بسبب الحرص الشديد على التزامن مع ما يجري في مسرح الأحداث السياسية من تفاعلات النخب الفاعلة، سواء الفكرية منها أو الإسلامية، هذا التصارع لتسجيل موقف لا يعكس طبيعة الأمانة التي يتحملها العلماء والدعاة والمتحدثون باسم الإسلام، الديانة التي يعتنقها أكثر من مليار شخص، بقدر أنه رغبة في التسيّد وامتلاك مشاعر الجماهير، والفوز بشرف تمثيلهم والتعبير عنهم بشكل قاطع ونهائي.
إن التحول من التطرف الديني البغيض الذي يختزل رحابة الإسلام ومدنيته وإنسانيته وتسامحه في التجييش والمواجهة واستعداء الآخرين، هو المشكلة الحقيقية التي هيّأت للإرهاب أن يتعملق ويصبح واقعاً معيشاً بعد أن كان فكرة منبوذة، والتماثل في كثير من الأفكار النظرية بين الإسلام الأصولي النظري والممارسة القاعدية هو الذي يجعل تحول أحد أطراف الفريقين إلى الآخر مرهوناً بقناعته الشخصية وتقديره للمصلحة، ومهما قيل عن تراجعات وخطاب جديد داخل تيار عريض من الدعاة، وهذا يجب أن نثمّنه ونشدّ من عضده، إلا أن التحولات الكبرى على مستوى الثقافة الاجتماعية السائدة في العقل الجمعي والتي تشكلت عبر سنوات طويلة منذ انشقاق الحركات الأصولية من عباءة الحركات الإصلاحية الدينية، بحاجة إلى استراتيجيات ثقافية بديلة طويلة المدى، تشارك فيها الحكومات والمؤسسات الرسمية والجمعيات الأهلية المتخصصة، بمساندة مراكز الأبحاث المتخصصة في دراسة الظواهر الفكرية وعلائقها الاجتماعية.
لقد ضحّت المجتمعات الإسلامية والعربية كثيراً في مواجهة الإرهاب وربما أكثر من غيرها، لكن مناخات التطرف وخزانات التفكير للعقل الإرهابي تلوذ بالفرار كل مرة، وتعيد بناء نفسها؛ ولا يمكن الخروج من هذه الدوامة دون استراتيجيات مؤسسية ومجتمعية لوقاية الأجيال الجديدة عبر مبادرات ومشاريع الأمن الفكري طويلة المدى، لضمان عدم استنساخ وجه التطرف القبيح لذاته مرّات وكرّات.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة