أسطورة الشأن الداخلي

أسطورة الشأن الداخلي

الأحد - 14 شهر رمضان 1440 هـ - 19 مايو 2019 مـ رقم العدد [14782]
د. آمال موسى
شاعرة وكاتبة وأستاذة علم الاجتماع في الجامعة التونسية
إنّ قبول فكرة أن العالم تغير والعلاقات تغيرت والتصورات والمفاهيم هي أيضاً طرأ عليها تغيير، صغيراً كان أو كبيراً، يقتضي في نفس الوقت مراجعة بعض الأفكار التي أصبحت غير واقعية حتى وإن بدت نظرياً محقة.
ويجب ألا يفهم من كلامنا أننا ندافع عن الواقعية بشكل أعمى أو أننا ندعو للتنازل عن أفكار مبدئية لأن قوة من يُحاجج بها قد تراجعت. بل إننا نطرح مسألة ذات صلة بالفهم المنطقي للأشياء وللتغيرات. فالتغيير لا يشمل فكرة شريدة وإذا مس جوهر العالم والبناء الاجتماعي الإنساني العام الذي نعيشه اليوم فإنه سيشمل آلياً وبالضرورة كل مكونات العالم.
ذلك أن فكرة أن العالم اليوم قد أصبح قرية صغيرة هي فكرة قوية جداً، ومن يتمعن في معانيها يدرك أنها خطيرة أيضاً لأنها تعني أن مفهوم سيادة الدولة بالمعنى التقليدي قد تلاشى، وأن العالم بحكم الانفتاح على بعضه، والبعد والقرب الذي حققتهما وسائل النقل ووسائل التواصل قد أديا إلى إنتاج صورة جديدة هي صورة العالم قرية صغيرة.
إذن الفكرة الرئيسية لمقالنا هي أن حديث الأطراف المعارضة اليوم عن الشأن الداخلي واتهامها أطرافاً مسؤولة بهتك قدسية الشأن الداخلي أصبح حديثاً يفتقد إلى المصداقية، وهو أقرب ما يكون إلى المزايدة على الخصوم لا أكثر ولا أقل.
طبعاً يظل لكل بلد شأنه الداخلي، ولكن حدود الشأن الداخلي تكبر وتضيق حسب استقرار البلد من عدمه. أي أنه كلما كانت الدولة في حالة استقرار سياسي واقتصادي، كانت مساحة الشأن الداخلي كبيرة، وهو ما يفيد أن الدول التي لها شأن داخلي تتحكم فيه بشكل مركزي هي الدول القوية الماسكة بزمام أمورها والتي هي في حاجة أقل إلى الدول الأخرى وإلى منظمات العالم وبنوكه. بل إن الدولة القوية تتحكم في شأنها الداخلي وبحكم قوتها وهيمنتها على الاقتصاد العالم، وبالتالي هيمنتها على العلاقات الدولية فهي تقوم بالتدخل في شؤون الدول الأخرى.
أما الدولة غير المستقرة التي تعاني من التوتر والفوضى والمعارك والحروب، فهي فعلاً ليس لها شأن داخلي لأن حالتها الحربية غير المستقرة تجعل جيرانها من الدول الأخرى التي تربطها بها علاقات حيوية تهتم بما يدور فيها وتتدخل في شؤونها الداخلية، حيث إن عدم استقرارها سيؤثر على المحيطين بها جغرافياً والمرتبطين بها اقتصادياً، سواء من ناحية المشاريع أو موارد الطاقة.
من هذا المنطلق، فإن الخطاب السياسي الذي يدور حول فكرة الشأن الداخلي بشكل قدسي هو خطاب يغالط الناس والواقع ولا يهدف إلى ضرب خصومه فقط، حتى لو كان ذلك بشكل بعيد عن المنطق والحجج.
ونلاحظ أن هذا الخطاب بات كثير التواتر في البلدان العربية، وتحديداً التي تعرف أزمات وتوترات. ويمكننا أن نضرب أكثر من مثال على ذلك: ففي تونس تتمسك المعارضة بالحق الكامل والصلب وغير المشروط في الخيارات الاقتصادية وتنتقد بشدة تدخل مؤسسة بنك النقد الدولي والحال أن بلادنا مقترضة منه وموقعة على التزامات. فالمنطق يقول إن من يقدم لك القروض لإنقاذ الاقتصاد فإنه لن يعطيك دون أن يضمن استرجاع القرض والفوائد. وبالنسبة إلى المؤسسات المالية فهي تمتلك رؤية وتصوراً لذلك فإنها تقوم بالإملاءات لأنها تشك في جدوى التصورات الاقتصادية التي تؤدي بالبلد إلى التداين من الخارج بشكل يفضح فشل التنمية وغياب الاستثمار الناجع.
في هذه الفترة أيضاً نلاحظ الحديث عن خصوصية الشأن الداخلي الليبي، خاصة بالنسبة إلى الخاسرين من معركة طرابلس وانتقاد الدعم الذي يتلقاه الجيش الوطني الليبي. فهل يمكن أن يكون الشأن الليبي اليوم شأناً داخلياً وليبيا بلد ترتع فيها الجماعات المسلحة ومنذ انهيار نظام القذافي؟
إن الإرهاب وحده كظاهرة توسعية عنقودية سرطانية كافية كي تسقط أسطورة الشأن الداخلي. فالبلد الذي يعاني من الإرهاب هو بحاجة إلى الدعم والمساعدة، وطبعاً الدعم ليس مجانياً، كما أنه لا مصلحة لدول الجوار وغيرها في تمكن الجماعات والميليشيات الإرهابية من ليبيا أكثر، خصوصاً أنها على امتداد السنوات الماضية تمكنت من التغلغل. وإلى جانب الإرهاب لا ننسى أن ليبيا بلد غني بالنفط والثروات الطبيعية وهناك شركات متعددة الجنسيات للتنقيب، وهناك حاجة دولية ومصالح مرتبطة بالطاقة الليبية. فالعلاقات والمصالح متشابكة إلى حد تصبح فيه الشأن الداخلي فعلاً مسألة هلامية.
لذلك فإن الأقوى في ليبيا اليوم هو من يحقق خطوات نوعية في محاربة الإرهاب والإرهابيين ومن يقوم بتأمين الثروة النفطية.. هكذا يكون النصر ومن ينجح يمكنه فرض بنود التوافق السياسي وتشكل الحل السياسي وفق مصالحه.
إنّ الفكرة الرئيسية التي أردنا توضيحها تتمثل في أن الحديث في العالم الراهن بشكل عام، وفي فضاء البلدان المتوترة، وخصوصاً التي تعاني من ظاهرة الإرهاب تحديداً، عن شأن داخلي قد بات حديثاً خالياً من المصداقية. فالعالم فيه من التشابك في المصالح الحيوية مما يجعل الشأن الداخلي شأناً عالمياً.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة