ترمب يدفع نحو حرب مع إيران... ومستشاروه يحثُّونه على الاهتمام بالاقتصاد

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
TT

ترمب يدفع نحو حرب مع إيران... ومستشاروه يحثُّونه على الاهتمام بالاقتصاد

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الجمعة)، إنه يدرس توجيه ضربة عسكرية محدودة لإيران، بينما يستعد «البنتاغون» لشن عملية على إيران تستمر أسابيع عدة، ‌وقد تشمل قصف منشآت أمنية بالإضافة إلى البنية ⁠التحتية ⁠النووية.

وأفاد تحليل لوكالة «رويترز» للأنباء، بأن الأنباء عن ضربة محتملة لإيران تأتي في الوقت الذي يحثه فيه مساعدوه على صب التركيز على المخاوف الاقتصادية للناخبين، مما يسلط الضوء على المخاطر السياسية لأي تصعيد عسكري قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة هذا العام.

وأمر ترمب بتعزيز مكثف للقوات الأميركية في الشرق الأوسط، والتأهب لشن هجوم جوي محتمل على إيران قد يستمر لعدة أسابيع، دون مزيد من التفاصيل.

ويبرز تركيز ترمب على إيران بوصفه أوضح مثال حتى الآن على مدى تصدر السياسة الخارجية -بما في ذلك استخدامه الموسع للقوة العسكرية- لأجندته في الأشهر الثلاثة عشر الأولى من ولايته الثانية، وهو ما طغى في الأغلب على القضايا الداخلية، مثل تكلفة المعيشة التي تُظهر استطلاعات الرأي أنها في صدارة أولويات معظم الأميركيين، وفق الوكالة.

مساعدو ترمب يحثون على التركيز على الاقتصاد قبل الانتخابات

وقال مسؤول كبير في البيت الأبيض، إنه على الرغم من خطاب ترمب العدواني، لا يوجد حتى الآن «دعم موحد» داخل الإدارة، للمضي قدماً في شن هجوم على إيران. وأضاف المسؤول -طالباً عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول بالتحدث إلى وسائل الإعلام- أن مساعدي ترمب أيضاً يدركون ضرورة تجنب إرسال «رسالة مشتتة» إلى الناخبين الذين لم يحسموا أمرهم بعد، ويولون الاقتصاد الاهتمام الأكبر.

ويريد مستشارو البيت الأبيض ومسؤولو حملة الحزب الجمهوري أن يركز ترمب على الاقتصاد، وهو أمر تم التأكيد عليه بوصفه القضية الأكثر أهمية في الحملة خلال إحاطة خاصة عقدت الأسبوع الماضي مع عدد من وزراء الحكومة، وفقاً لمصدر حضر الاجتماع الذي غاب عنه ترمب.

وقال مسؤول ثانٍ في البيت الأبيض لوكالة «رويترز» للأنباء إن أجندة ترمب في السياسة الخارجية «تُرجمت مباشرة إلى مكاسب للشعب الأميركي». وأضاف المسؤول: «جميع إجراءات الرئيس تضع أميركا أولاً؛ سواء من خلال جعل العالم بأسره أكثر أماناً أو تحقيق مكاسب اقتصادية لبلدنا».

وستحدد انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) ما إذا كان الحزب الجمهوري المنتمي إليه ترمب سيواصل السيطرة على مجلسي الكونغرس أم لا. ومن شأن خسارة أحد المجلسين أو كليهما لصالح الديمقراطيين المعارضين أن تشكل تحدياً لترمب في السنوات المتبقية من رئاسته.

وقال روب جودفري الخبير الاستراتيجي الجمهوري، إن أي صراع يطول أمده مع إيران سيمثل تهديداً سياسياً كبيراً لترمب والجمهوريين. وأضاف جودفري: «على الرئيس أن يضع في اعتباره القاعدة السياسية التي عززت الترشح عن الحزب الجمهوري -ثلاث مرات متتالية- والتي لا تزال تسانده، وهي قاعدة متشككة حيال الانخراط في الشؤون الخارجية والتورط في النزاعات الخارجية؛ لأن إنهاء (عصر الحروب الأبدية) كان وعداً انتخابياً واضحاً».

ويخطط الجمهوريون للاعتماد في الحملة الانتخابية على التخفيضات الضريبية التي أقرها الكونغرس العام الماضي، بالإضافة إلى برامج لخفض تكاليف السكن وبعض الأدوية التي تُصرف بوصفة طبية.

عدو أقوى من فنزويلا

على الرغم من بعض الأصوات المعارضة، أيد عدد من مؤيدي نهج «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» ذي التوجه الانعزالي الذي يروج له ترمب، الهجوم المباغت الذي أطاح بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي. ولكنه قد يواجه مقاومة أكبر إذا دفع الولايات المتحدة إلى خوض حرب مع إيران، التي ستكون عدواً أكثر قوة.

وهدد ترمب مراراً بقصف إيران إذا لم تتوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي، وكرر تحذيره أمس (الجمعة) قائلاً إن «من الأفضل لهم التفاوض على اتفاق عادل».

واستهدفت الولايات المتحدة مواقع نووية إيرانية في يونيو (حزيران) الماضي، وهددت طهران برد قوي إذا تعرضت لهجوم مرة أخرى.

أنصار ترمب يؤيدون «إجراءات حاسمة ومحدودة»

وفاز ترمب بفترة رئاسية ثانية عام 2024 معتمداً على نهج «أميركا أولاً» إلى حد بعيد، الذي يشمل تعهدات بخفض التضخم وتجنب الصراعات الخارجية المكلفة، ولكن استطلاعات الرأي تظهر أنه يجد صعوبة في إقناع الأميركيين بأنه يحقق تقدماً في خفض الأسعار المرتفعة.

ومع ذلك، قالت الخبيرة الاستراتيجية الجمهورية لورين كولي، إن أنصار ترمب قد يؤيدون اتخاذ إجراءات عسكرية ضد إيران إذا كانت حاسمة ومحدودة. وتابعت قائلة: «سيتعيَّن على البيت الأبيض أن يربط بوضوح أي إجراء بحماية الأمن الأميركي والاستقرار الاقتصادي في الداخل».

لكن في ظل استطلاعات رأي تُظهر إحجام الشعب عن خوض حرب خارجية أخرى، والتحديات أمام ترمب للوفاء بوعوده بمعالجة مخاوف الناخبين الاقتصادية بشكل كامل، فإن أي تصعيد مع إيران يعد خطوة محفوفة بالمخاطر من قبل رئيس أقر في مقابلة حديثة مع «رويترز» للأنباء، بأن حزبه قد يواجه صعوبات في انتخابات التجديد النصفي.

أسباب متنوعة للحرب

نادراً ما كانت السياسة الخارجية -على مر التاريخ- قضية حاسمة بالنسبة للناخبين في انتخابات التجديد النصفي. ولكن مع نشر قوة كبيرة تشمل حاملتَي طائرات وسفناً حربية وطائرات مقاتلة في الشرق الأوسط، ربما لم يترك ترمب لنفسه خيارات سوى تنفيذ عمل عسكري، ما لم تقدِّم إيران تنازلات كبيرة لم تبدِ حتى الآن استعداداً يُذكر لقبولها. وبخلاف ذلك فهو يخاطر بالظهور بمظهر الضعيف على الساحة الدولية.

والمبررات التي قدمها ترمب لشن هجوم محتمل فضفاضة ومتنوعة. فقد هدد في البداية بشن ضربات في يناير (كانون الثاني) رداً على حملة القمع التي مارستها الحكومة الإيرانية لإخماد الاحتجاجات الشعبية بأنحاء البلاد، ولكنه تراجع عن ذلك في وقت لاحق.

وفي الآونة الأخيرة، ربط تهديداته العسكرية بمطالبات بإنهاء برنامج إيران النووي، وطرح فكرة «تغيير النظام»، ولكنه ومساعديه لم يذكروا كيف يمكن للضربات الجوية أن تحقق ذلك.

وأكد المسؤول الثاني في البيت الأبيض أن ترمب «كان واضحاً في أنه يفضِّل الدبلوماسية دائماً، وأن على إيران أن تتوصل إلى اتفاق قبل فوات الأوان». وأضاف المسؤول أن الرئيس شدد أيضاً على أن إيران «لا يمكن أن تمتلك سلاحاً نووياً ولا القدرة على صنعه، ولا يمكنها تخصيب اليورانيوم».

وما يراه كثيرون على أنه غموض، يتناقض بشكل صارخ مع الحجة العامة التي روج لها الرئيس جورج دبليو بوش لغزو العراق عام 2003، والذي قال إن هدفه هو القضاء على أسلحة الدمار الشامل بالبلاد.

وعلى الرغم من أنه تبين في النهاية أن تلك المهمة استندت إلى معلومات مخابراتية خاطئة وادعاءات كاذبة، فأهداف الحرب التي أعلنها بوش كانت واضحة في البداية.

وقال جودفري المحلل الاستراتيجي الجمهوري، إن الناخبين المستقلين الذين يلعبون دوراً حاسماً في تحديد نتائج الانتخابات المتقاربة، سوف يراقبون من كثب كيفية تعامل ترمب مع إيران. وأضاف: «سينتظر الناخبون في انتخابات التجديد النصفي وقاعدته الشعبية أن يقدِّم الرئيس حججه».


مقالات ذات صلة

هل تقيد واشنطن يد إسرائيل في لبنان؟

الولايات المتحدة​ عسكري لبناني في مدينة النبطية حيث الدمار يعم المكان (أ.ف.ب)

هل تقيد واشنطن يد إسرائيل في لبنان؟

لم تعد صورة الخلاف بين إدارة الرئيس دونالد ترمب وحكومة بنيامين نتنياهو قابلة للاختزال في أن واشنطن تنحاز إلى إيران على حساب إسرائيل.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أنظمة صواريخ «باتريوت» أميركية بقاعدة لواء وارسو الثالث لصواريخ الدفاع الجوي في سوتشاشيف ببولندا 18 ديسمبر 2025 (رويترز)

ترمب يلتقي شركات تصنيع ذخائر في إطار مساعٍ لتجديد المخزونات

من المقرر أن يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب شركات تصنيع ذخائر بالبيت الأبيض، الأربعاء، في وقت تسعى إدارته لتوسيع إنتاج الأسلحة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ بيل غيتس (رويترز) p-circle

بيل غيتس: ربما تواجدتُ في أماكن ضمّت ضحايا لإبستين

قال الملياردير الأميركي بيل غيتس، خلال شهادة مغلقة أمام لجنة الرقابة بمجلس النواب الأميركي، إنه لم يتعامل قط مع أي من ضحايا جيفري إبستين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الباكستاني لدى استقباله الرئيس الإيراني في قاعدة نور خان الجوية بروالبندي قرب إسلام آباد أمس (رويترز)

التفتيش النووي يختبر «تفاهمات سويسرا»

واجهت التفاهمات التي توصّل إليها الجانبان الأميركي والإيراني عشية مفاوضات سويسرا أول اختبار جديّ مع بروز خلاف حول التفتيش النووي؛ إذ تقول واشنطن إن طهران.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
رياضة عالمية الموافقات تنتظر موافقة «فيفا» و«إيفاب» (أ.ف.ب)

«فيفا» يسعى لتعديل «قرعة ركلات الترجيح» قبل انطلاق الأدوار الإقصائية للمونديال

يسعى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) إلى تعديل آلية إجراء القرعة الخاصة بركلات الترجيح، على أمل تطبيقها قبل انطلاق الأدوار الإقصائية لكأس العالم.

The Athletic (نيويورك)

غوتيريش: على الحكومات اعتبار مكافحة تغير المناخ أولوية رئيسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

غوتيريش: على الحكومات اعتبار مكافحة تغير المناخ أولوية رئيسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم الأربعاء، إنه ينبغي للحكومات وضع مكافحة تغير المناخ ضمن أولوياتها الرئيسية، مع ازدياد حدة المخاطر المناخية واتساع فجوة تمويل الجهود الرامية للتغلب على هذه المخاطر.

وأضاف غوتيريش لصناع سياسات وقادة تمويل خلال فعالية أسبوع العمل المناخي في لندن أنه في ظل تأثير حالات الجفاف والفيضانات وغيرها من الظواهر الجوية المتطرفة على مجتمعات في جميع أنحاء العالم، لم يحظَ التكيف مع هذه الظواهر بالتقدير الكافي، فضلاً عن أنه يشهد نقصاً مزمناً في التمويل.

وأضاف: «على وزراء المالية والبنوك المركزية ووزارات التخطيط وهيئات الاستثمار العام التعامل مع مخاطر المناخ باعتبارها ركيزة أساسية في السياسة الاقتصادية، من أجل حشد مزيد من الموارد المحلية»، ودعا الحكومات إلى إدراج مخاطر المناخ في جميع جوانب عملها، بدءاً من السياسة المالية وحتى سن التشريعات.

امرأة تستخدم مروحة في فناء متحف اللوفر في باريس حيث بلغت درجات الحرارة مستويات قياسية (أ.ب)

وأوضح غوتيريش أن سد هذه الفجوة يتطلب مجموعة واسعة من الإجراءات، منها فرض رسوم على صناعات تسبب تلوثاً بيئياً وهياكل تمويل مدمجة، بالإضافة إلى تقديم ضمانات لتشجيع الاستثمار الخاص.

وأشار إلى أن الحاجة إلى زيادة التمويل العام والتمويل القائم على المنح تشتد في الدول النامية، لأنها الأكثر عرضة لتأثيرات تغير المناخ، ولكنها الأقل قدرة على الاستعداد لها. وتشير بيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن هذه الدول ستحتاج إلى ما بين 310 و365 مليار دولار سنوياً بحلول 2035، بينما لم تتلق سوى نحو 26 مليار دولار في 2023.


هل تقيد واشنطن يد إسرائيل في لبنان؟

عسكري لبناني في مدينة النبطية حيث الدمار يعم المكان (أ.ف.ب)
عسكري لبناني في مدينة النبطية حيث الدمار يعم المكان (أ.ف.ب)
TT

هل تقيد واشنطن يد إسرائيل في لبنان؟

عسكري لبناني في مدينة النبطية حيث الدمار يعم المكان (أ.ف.ب)
عسكري لبناني في مدينة النبطية حيث الدمار يعم المكان (أ.ف.ب)

لم تعد صورة الخلاف بين إدارة الرئيس دونالد ترمب وحكومة بنيامين نتنياهو قابلة للاختزال في أن واشنطن تنحاز إلى إيران على حساب إسرائيل، أو تمنح طهران حق تقرير مستقبل لبنان. فتصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو رسمت معادلة أكثر تعقيداً: المسار اللبناني ـ الإسرائيلي منفصل رسمياً عن مذكرة التفاهم مع إيران، ومستقبل لبنان تقرره حكومته، لكن دعم طهران لـ«حزب الله» سيطرح في المحادثات الأميركية ـ الإيرانية. وبذلك تحاول واشنطن الجمع بين تقييد العمليات الإسرائيلية التي قد تفجر وقف النار، وتحميل إيران مسؤولية سلوك حلفائها، من دون تعهد واضح بمعاقبتها إذا استأنف الحزب هجماته. وهذا لا يلغي القلق الإسرائيلي، لكنه يغير طبيعته: الخشية ليست من تخلي أميركي عن إسرائيل، بل من إخضاع هامش عملها العسكري لأولويات ترمب الإقليمية والداخلية.

القلق حقيقي

أكد روبيو أن واشنطن ستتعامل مباشرة مع الحكومة اللبنانية لأن لبنان «دولة ذات سيادة»، وأن مستقبل البلاد يعود إلى الشعب اللبناني من خلال حكومته. لكنه أضاف أن هناك «مسألة إيرانية تتعلق بلبنان»، تتمثل في دعم طهران لـ«حزب الله» ورعايتها له، وأنها ستبحث ضمن المحادثات مع الإيرانيين. وقال أيضاً إنه لا يمكن إنهاء الأعمال القتالية في المنطقة ما دامت جماعات مدعومة من إيران تطلق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بعيد وصوله إلى أبوظبي في جولته على دول المنطقة (أ.ب)

هذه العبارات لا تعني أن واشنطن أعلنت آلية رسمية لمحاسبة إيران، لكنها تنقل النقاش من عدّ لبنان بنداً تملكه طهران إلى عدّ سلوك «حزب الله» مسؤولية إيرانية تدخل في حساب الاتفاق الأوسع. وهي ترد جزئياً على المخاوف الإسرائيلية من أن تمنح خلية منع الاحتكاك الجديدة، التي تضم الولايات المتحدة وإيران ولبنان ووسطاء من دون إسرائيل، طهران اعترافاً بأنها صاحبة قرار في لبنان.

لكن الفصل السياسي بين المسارين لا يلغي ترابطهما العملي. فإيران تستطيع التأثير عبر «حزب الله»، بينما تستطيع واشنطن الضغط على إسرائيل لمنع عمليات تهدد الاتفاق. وقد انتقد ترمب قصف مبان سكنية في لبنان، وقال إن ملاحقة عنصر من الحزب لا تبرر هدم مبنى بالكامل، داعياً نتنياهو إلى التصرف «بمسؤولية أكبر». كما تواصل القيادة المركزية الأميركية دعم خفض التصعيد والفصل التكتيكي والتحقق من وقف الأعمال العدائية.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس مع رئيس وزراء باكستان شهباز شريف ورئيس الوزراء القطري محمد بن جاسم آل ثاني في بورغنستوك بسويسرا (أ.ف.ب)

ويرى براين كاتوليس، الباحث في معهد الشرق الأوسط، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن التخوف الإسرائيلي «حقيقي»، لأن نتنياهو يواجه انتقادات داخلية بسبب الصورة الضعيفة التي ظهرت بها إسرائيل بعد الاتفاق، والخشية من استعادة «حزب الله» قدرته على تهديدها. ويضاعف اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، المقرر إجراؤها في موعد أقصاه أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، حساسية أي تنازل بشأن الانسحاب أو حرية عمل الجيش.

ويذهب ديفيد داود، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، في حديثه مع «الشرق الأوسط»، أبعد. وعدّ أن تغير موقف إدارة ترمب حقيقي، لأن الرئيس يريد الخروج من الحرب قبل انتخابات التجديد النصفي، خشية أن تؤدي خسارة جمهورية في نوفمبر (تشرين الثاني) إلى شل أجندته الداخلية. وبرأيه، ربطت إيران إنهاء الحرب الأميركية ـ الإيرانية بوقف الحرب في لبنان، لتتكرر دورة من المطالبة بكبح إسرائيل، ثم الضغط الأميركي عليها فتقليص عملياتها قبل تجدد التصعيد. غير أن تصريحات روبيو تعدل هذه القراءة ولا تنفيها: فهي ترفض أن يكون مستقبل لبنان جزءاً من صفقة مع طهران، لكنها تقر بأن نفوذ إيران على الحزب جزء من التفاوض معها.

خلاف على السياسة الخارجية

الانقسام في واشنطن لا يدور فقط حول أمن إسرائيل، بل حول معنى شعار «أميركا أولاً». ترمب ونائبه جي دي فانس يقدمان الاتفاق بوصفه مخرجاً من حرب غير شعبية، وإعادة فتح مضيق هرمز وخفض أسعار الطاقة. في المقابل، يرى الجناح الجمهوري المتشدد أن الإدارة تمنح إيران تخفيفاً للعقوبات ونفوذاً من دون قيود كافية على الصواريخ أو الحلفاء المسلحين.

وعدّ السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام استبعاد إسرائيل من آلية منع الاحتكاك بأنه «خطأ كبير». ورأى رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ روجر ويكر أن تقييد عمليات إسرائيل ضد «حزب الله» يبدد مكاسبها العسكرية، فيما وصف بيل كاسيدي الاتفاق بأنه أحد أسوأ أخطاء السياسة الخارجية منذ عقود. ورد ترمب على منتقديه الجمهوريين بوصفهم «حمقى»، مستشهداً بتراجع أسعار النفط وارتفاع الأسواق.

أما الديمقراطيون، فلا يقفون ببساطة في صف نتنياهو. اعتراضهم يركز على غياب تفويض الكونغرس، وغموض الاتفاق، وتكاليف الحرب، وضرورة إخضاع أي تفاهم يرفع العقوبات للمراجعة التشريعية. وهكذا يلتقي صقور جمهوريون يريدون حماية أوسع لإسرائيل مع ديمقراطيين وانعزاليين جمهوريين يريدون إنهاء الحرب واستعادة دور الكونغرس.

تضخيم الخطر لتحسين الشروط

مع ذلك، يحتفظ القلق الإسرائيلي ببعد تفاوضي واضح. فرفع التحذير من «تقوية إيران» يساعد نتنياهو على تعبئة حلفائه في الكونغرس، وانتزاع ضمانات أميركية، وتوسيع تعريف التهديد الذي يسمح لإسرائيل باستخدام القوة، وربط أي انسحاب بانتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح «حزب الله». كما يتيح له تحويل الغضب الداخلي إلى مواجهة مع واشنطن حول قيود مفروضة على أمن إسرائيل.

ويشير «أكسيوس» إلى أن الاستعانة العاجلة برون ديرمر، المقرب من فريق ترمب، إلى أن تل أبيب لا تتعامل مع التحول بوصفه نهائياً، بل تحاول تعديل قواعده من داخل العلاقة. ويقول مسؤولون أميركيون إن وجود واشنطن في خلية منع الاحتكاك يضمن نقل الهواجس الإسرائيلية بسبب التنسيق الوثيق بين الطرفين. وتنقل «رويترز» عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن نتنياهو لا يتوقع تحولاً فورياً مثل إبطاء شحنات السلاح، وأن بعض خطاب ترمب موجه إلى الناخب الأميركي قبل انتخابات التجديد النصفي.

خلاصة الصورة أن تصريحات روبيو لا تبدد القلق الإسرائيلي، لكنها تمنع اختزاله في رواية أن واشنطن سلمت لبنان لإيران. لذلك دخلت العلاقة مرحلة إعادة ضبط فعلية: إسرائيل تبقى حليفاً مركزياً، لكن حريتها العسكرية لم تعد شيكاً مفتوحاً، وإيران لم تحصل على حق تقرير مستقبل لبنان، لكنها ستواجه سياسياً وتفاوضياً مسؤولية أكبر عن أفعال «حزب الله».


ترمب يلتقي شركات تصنيع ذخائر في إطار مساعٍ لتجديد المخزونات

أنظمة صواريخ «باتريوت» أميركية بقاعدة لواء وارسو الثالث لصواريخ الدفاع الجوي في سوتشاشيف ببولندا 18 ديسمبر 2025 (رويترز)
أنظمة صواريخ «باتريوت» أميركية بقاعدة لواء وارسو الثالث لصواريخ الدفاع الجوي في سوتشاشيف ببولندا 18 ديسمبر 2025 (رويترز)
TT

ترمب يلتقي شركات تصنيع ذخائر في إطار مساعٍ لتجديد المخزونات

أنظمة صواريخ «باتريوت» أميركية بقاعدة لواء وارسو الثالث لصواريخ الدفاع الجوي في سوتشاشيف ببولندا 18 ديسمبر 2025 (رويترز)
أنظمة صواريخ «باتريوت» أميركية بقاعدة لواء وارسو الثالث لصواريخ الدفاع الجوي في سوتشاشيف ببولندا 18 ديسمبر 2025 (رويترز)

من المقرر أن يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب شركات تصنيع ذخائر في البيت الأبيض، الأربعاء، في وقت تسعى فيه إدارته لتوسيع إنتاج الأسلحة، بعد أن أدت العمليات العسكرية، خلال حرب إيران وغيرها من الصراعات، إلى استنزاف المخزونات الأميركية، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقدّمت الولايات المتحدة كميات كبيرة من الأسلحة لحلفائها، واستخدمت هي نفسها قدراً كبيراً من الذخائر في عملياتها العسكرية، ما أثار مخاوف بشأن المخزونات الحيوية لأسلحة الدفاع الجوي والأسلحة دقيقة التوجيه وزاد الضغوط على المقاولين لزيادة الإنتاج.

وسيكون هذا الاجتماع هو ثاني لقاء يركز على زيادة إنتاج الأسلحة، في البيت الأبيض مع الرؤساء التنفيذيين لشركات الدفاع الكبرى. وسبق أن ضم اجتماع، عُقد في مارس (آذار) الماضي، الرؤساء التنفيذيين ومسؤولين آخرين من شركات «بي إيه إي سيستمز» و«لوكهيد مارتن» و«نورثروب غرومان» و«آر تي إكس» و«بوينغ» و«هانيويل» للفضاء و«إل 3 هاريس تكنولوجيز»، إلى جانب وزير الدفاع بيت هيغسيث.

يأتي الاجتماع في وقتٍ يضغط فيه مفاوضو وزارة الدفاع «البنتاغون» على المقاولين للتحرك بشكل أسرع بكثير، بعد إبرام اتفاقات إنتاج مبدئية، في وقت سابق من هذا العام، في إطار تلك الجهود.

وتشمل الاتفاقات صفقة مع «لوكهيد مارتن» لزيادة إنتاج صواريخ «باتريوت» الاعتراضية إلى ثلاثة أمثالها، وصواريخ «ثاد» الاعتراضية إلى أربعة أمثالها، وهي صواريخ تُستخدم لإسقاط الصواريخ الباليستية.

وتشمل اتفاقات منفصلة، تمتد لعدة سنوات مع «آر تي إكس»، تعزيز إنتاج صواريخ «كروز» من طراز «توماهوك» وصواريخ جو جو من طراز «أمرام». ولم تتحوّل تلك الاتفاقات، التي جرى الإعلان عنها كـ«اتفاقيات إطارية»، إلى صفقات وعقود.

ورحّب خمسة مسؤولين تنفيذيين في قطاع الصناعات الدفاعية، طلبوا عدم ذكرهم بالاسم في التقرير، بالاتفاقات، لكنهم أكدوا ضرورة تخصيص تمويل من جانب الكونغرس قبل أن تتمكن الشركات من زيادة استثماراتها في المكونات والطاقة الإنتاجية.

وأوضحوا أن الاستثمار قبل تسلم المدفوعات الحكومية، بموجب هذه الاتفاقات، سيؤثر سلباً على التدفق النقدي الحر، وربما يُلحق ضرراً بأرباح النصف الثاني من العام.

وتُكثف الإدارة الأميركية ضغوطها على شركات المقاولات الدفاعية لإعطاء الإنتاج الأولوية على حساب توزيعات الأرباح على المساهمين. ووقّع ترمب أمراً تنفيذياً، في يناير (كانون الثاني) الماضي، لتحديد الشركات التي يُعد أداؤها ضعيفاً في العقود الحكومية، بينما تُواصل توزيع الأرباح على المساهمين.

وقالت «جي إم ديفنس»، وحدة أعمال الدفاع التابعة لشركة تصنيع السيارات، وشركة «لوكهيد»، إن وزارة الدفاع الأميركية ساعدت في تسهيل شراكة بين الشركتين بسبب الطلب المتزايد لتوفير قدرة إنتاجية إضافية.

ووافقت لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، هذا الشهر، على نسختها من قانون إقرار الدفاع الوطني، ودعّمت إنفاقاً دفاعياً إجمالياً قدره 1.15 تريليون دولار، وضَمِنت صلاحية شراء لعدة سنوات مقبلة لأنواع عدة من الذخائر والأسلحة. ومن غير المتوقع أن يصبح القانون نافذاً قبل الخريف، إلا أنه من الممكن إقرار مخصصات منفصلة أو تمويل إضافي، في وقت أقرب من ذلك.

وزاد الطلب على أنظمة الدفاع الجوي من الولايات المتحدة وحلفائها، وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية وحرب إيران.