قراءة استشرافية في إعادة انتشار القوات الأميركية

قراءة استشرافية في إعادة انتشار القوات الأميركية

الأحد - 15 شهر رمضان 1440 هـ - 19 مايو 2019 مـ رقم العدد [14782]
إميل أمين
- كاتب مصري
ضمن سياق التطورات الأخيرة في أزمة إيران الملتهبة حول الخليج العربي إقليمياً، في بداية الأمر، جاء قرار الموافقة الخليجية على إعادة انتشار القوات الأميركية، بطلب مباشر من الولايات المتحدة، ليعكس متانة وقوة التحالف الاستراتيجي بين واشنطن ودول المنطقة؛ تحالف لم يبدأ اليوم وفي الحالة السعودية بنوع خاص، بل يعود إلى عقود طويلة من القرن المنصرم منذ زمن لقاء الأب المؤسس الملك عبد العزيز آل سعود، رحمه الله، مع الرئيس الأميركي روزفلت عام 1945 في البحيرات المرة.
والشاهد أن أي رؤية تحليلية استراتيجية، لا بد أن تأخذ في اعتبارها الوسائل والغايات، فالأولى توضح أسباب ما يجري على سطح الأحداث، والثانية تعمق المفهوم والإطار الفكري للتحرك.
يجيء انتشار القوات الأميركية في منطقة الخليج العربي كأداة أو وسيلة ورد فعل لمواجهة ومجابهة السلوكيات الإيرانية التي لم تتعدل أو تتبدل خلال العقود الأربعة المنصرمة، والتي أفرزت نتيجة مؤكدة، وهي أن إيران نظام يتسم بالجمود الأرثوذكسي السياسي المتحجر والمتكلس، وملالي يعيشون عصور السكولائية الاجترارية، ولا يقدرون أو يرغبون في مقاومتها، أو الخروج من جحورها، ولهذا لا وسيلة لهم في التعاطي مع العالم الخارجي إلا منطق القوة المجردة من القدرة على الفهم والحوار مع الآخر، ضمن معادلة الجميع فائز، وبعيداً عن فكرة منتصر واحد يهمين على كل الغنائم.
رسالة انتشار القوات الأميركية تؤكد للإيرانيين أن أدوات الردع العسكرية حاضرة، وبخاصة أن إيران لم توفر رسائل التهديد والوعيد، وما جرى في مياه المنطقة وسمائها من تخريب للسفن النفطية من جهة، أو الاعتداء على محطتي أرامكو من جهة ثانية، يدلان على شهوات قلب الملالي، الذين مضى بهم غرورهم الإمبراطوري المنحول، إلى جهة التفكير في إغراق ربما سفن الأسطول الأميركي عبر صواريخ كروز المحملة على قوارب سريعة في مياه الخليج.
ميزان الانتباه العسكري الذي أشرنا إليه مراراً وبعد إعادة الانتشار الأميركي في المنطقة سيضحى مرة وإلى ما شاء الله في صالح الولايات المتحدة وحلفائها في مواجهة المخططات الإيرانية، تلك التي وضحت جلية من خلال تحركات قاسم سليماني في بغداد وبيروت الأسابيع القليلة الماضية، التي لا تحتاج إلى تفسير، فالرجل يعد ميليشياته لحروب الوكالة التقليدية.
يضحى الانتشار العسكري الأميركي في الوقت الراهن حاجة استراتيجية ملحة، سيما بعد أن باتت المصالح الأميركية والدولية في المنطقة مهددة، والقاصي والداني يعلم علم اليقين أن الإيرانيين باتوا في وضع الفأر في المصيدة، فالعقوبات تحاصرهم من كل جهة، ولهذا فقد يكون المفر الوحيد لهم هو محاولة إغراق الجميع في حرب شعواء، وقد لا يرقى الأمر إلى درجة المواجهة المباشرة أول الأمر، بل يتخذ شكل عمليات عسكرية هجومية نوعية، ستجد في مقابلها ردات فعل أميركية أشد وأقوى، ثم الانتظار والحكم، كيف ستتصرف إيران.
ليس من دالة لإيران على العمل الدبلوماسي، أو قواعد القانون الدولي وسياقاته أو نطاقاته، وهذه كارثة الأنظمة التي تحكم بالفكر المطلق، والقواعد الدينية الدوغمائية، إنها فقط تتعاطى مع العنف كمولد للتاريخ، وتفهم جيداً كيف أنه الأداة الحاسمة عبر صراع الإنسانية، وعلى غير المصدق أن ينظر إلى إيران في أعقاب الغزو الأميركي للعراق، وكيف أنها غيرت دفة توجهاتها 180 درجة لتلافي التعرض لجحيم الحمم المتناثرة في المنطقة في تلك الفترة، وإن عادت ثانية إلى سيرتها الأولى، في تطبيق واضح وفاضح للتقية.
فهمت إيران بسرعة كبيرة خطورة موقفها في الأيام الأخيرة، بعد أن رأت الحزم والعزم الأميركيين، وبالتعاون مع الحلفاء الاستراتيجيين التاريخيين في المنطقة وفي المقدمة المملكة العربية السعودية، والدليل على ما نقول به تمثل في مشهدين؛ الأول تصريحات رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني حشمت الله فلاحت بيشه، التي دعا فيها إلى عقد مفاوضات أميركية إيرانية في قطر أو العراق لإدارة التوتر بين البلدين.
أما الثاني فقد أشارت إليه صحيفة «نيويورك تايمز»، من أن إيران قامت بتفكيك صواريخ من على زورقين كانا يعتبران من مهددات السفن في مياه الخليج.
لا يهمنا إن كانت دعوة بيشه صادقة أو مرائية، وبالقدر نفسه قد تكون هناك زوارق أخرى إيرانية معدة وهذا مؤكد، لكن ما يهمنا بالدرجة الأولى هو قياس ردات الفعل الإيرانية، تجاه إدارة أميركية قابضة على الجمر، مرة وإلى أن ينتهي الجدل الذي طال أربعة عقود مع الإيرانيين.
السؤال الجوهري في هذه السطور هل أميركا أو المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج معنية بالحرب أو راغبة في السعي إليها؟
قطعاً لا يمكن أن يكون ذلك كذلك، فالرئيس الأميركي تحدث بصراحة واضحة إلى أركان إدارته، بمن فيهم من الصقور كما الحال مع مستشار الأمن القومي جون بولتون، أو القائم بأعمال وزير الدفاع الأميركي باتريك شانهان، بأنه لا يريد حرباً مع إيران، كما أن كل التصريحات الرسمية الصادرة من القيادة السعودية في الرياض وأبوظبي وبقية عواصم المنطقة تسعى في الاتجاه عينه، ولا تتمنى أن تنزلق إيران في حرب ستكون ولا شك كارثية على الجميع في المنطقة.
لكن فارقاً كبيراً بين عدم الرغبة في الحرب أو التصعيد العسكري من جهة، وبين القدرة على الفعل، وإظهار الإرادة الحديدية من جهة أخرى، وإبداء الولايات المتحدة أعلى درجة ممكنة من الموثوقية والمصداقية لحلفائها، بأنها لم ولن تتركهم إلى حال سبيلهم، في مواجهة مع عدو قديم يحمل مشاعر عرقية تاريخية سوداء الصفحات.
الخلاصة... إعادة انتشار القوات الأميركية في منطقة الخليج العربي ترجمة طبيعية وحقيقية لفكرة التعاون الاستراتيجي الخلاق بين الحلفاء، الذي يتمثل على الأرض في صورة تحركات وتوجهات استراتيجية لا مناورات أو مظاهر تكتيكية أو دعائية، ويبقى السؤال قبل الانصراف عن إيران وكيف ستكون ردات فعلها تجاه هذا الانتشار الأخير؟

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة