شغف بالأبيض والأسود

شغف بالأبيض والأسود

الأحد - 14 شهر رمضان 1440 هـ - 19 مايو 2019 مـ رقم العدد [14782]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.
و«أبيض وأسود» كتاب صادر عن دار «سما»، للكاتب الفلسطيني المقيم في مصر أشرف بيدس. كتلة ورقية أنيقة في أكثر من 500 صفحة تعود بالقارئ إلى تلك السنوات التي لم تكن فيها السينما قد تلونت، بعد. ما سرّ هذا الشغف المتجدد بأفلام الأربعينات والخمسينات؟
جمع المؤلف أسماء ألف ممثلة وممثل مع صورهم، ثم خاض مع نفسه معركة، أتصورها صعبة، ليختار من بينهم خمسين فحسب. يتوقف في محطاتهم، ليلتقط ما نعرف وما لا نعرف. وهناك في الفصل الأخير ملحق بصور العشرات من الذين ظلوا «كومبارس»، ولم يصبحوا نجوماً. نعرف وجوههم ولا تسعفنا الذاكرة بأسمائهم.
صباح الجمعة 6 نوفمبر (تشرين الثاني) 1896، نشرت مجلة «لاريفورم» التي كانت تصدر بالفرنسية في الإسكندرية، ما يلي: «بدأت السينماتوغراف عروضها، مساء أمس، لأول مرة في الإسكندرية. ويمكن مشاهدة العرض في إحدى صالات بورصة طوسون باشا من الساعة 5 إلى 11 مساء، مرة كل نصف ساعة».
لترتيب الشخصيات، بدأ المؤلف بالأكبر سناً، ثم تدرّج نزولاً حسب سنوات الميلاد. وبهذا فإن الصدارة كانت لعبد الوارث عسر. الممثل الذي عرفناه «جالساً على سجادة الصلاة، ممسكاً سبحته، متلفعاً ببردته، يتلو من كتاب الله». وكان عسر قد التحق بكلية الحقوق ليصبح محامياً مثل والده، لكن ولعه بالفن قاده إلى فرقة جورج أبيض. ويبدو أن ملامحه فرضت عليه القيام بأدوار الرجل الورع المتقدم في السن حتى عندما كان شاباً. وفي العشرين، أسند إليه المخرج عمر وصفي دور الأب في إحدى المسرحيات. واستمر «شيخاً» بعدها بسبعين عاماً. ولكثرة ما شاهدناه في الأفلام يرفع عينيه مبتهلاً إلى السماء، فإنني كنت أتصور أنه جاء إلى الدنيا بعينين شاخصتين إلى فوق.
كان يوسف وهبي في سن السادسة حين عرضت فرقة قرداحي اللبنانية رواية «عطيل» في سوهاج بصعيد مصر. افتتن الطفل بما رأى، وأصابته لوثة الفن. لوثة عبقرية. كان أبوه صاحب أطيان ويريده مهندساً زراعياً. لكنه يهرب إلى إيطاليا ولا يُخبر بسفره أحداً سوى مربيته أم رقيّة. وتشفق المربية عليه فتعطيه سوارين من ذهب يعينانه على العيش في الغربة.
يلتحق بمعهد للتمثيل، ويتعرف على ممثلة تدعى ألينا لوندا، يتزوجها وتساعده في الحصول على أدوار صغيرة في السينما. تمر السنوات، ويفشل الزواج بسبب الغيرة. يموت الأب ويعود يوسف لينفق ميراثه على الفن، وليؤسس تقاليد المسرح الاجتماعي في القاهرة. كان يشترط على جمهور فرقته اللياقة والسلوك الطيب واحترام مواعيد العرض. منع باعة اللب من دخول الصالة. ويوم جاء حافظ باشا عفيفي، رئيس الديوان الملكي، متأخراً لخمس دقائق وجد الباب مغلقاً. واجتذبت عروض يوسف وهبي زعماء الأحزاب، وكانت لهم مقصورة مخصوصة: «يوم السبت لمصطفى النحاس زعيم الوفد. الأحد لإسماعيل صدقي زعيم حزب الشعب. الاثنين لمحمد محمود. الثلاثاء ليحيى إبراهيم زعيم الاتحاد. الأربعاء لحافظ رمضان زعيم الحزب الوطني. والخميس للزعماء المستقلين».
يقول المؤلف إن يوسف وهبي عاش ألف عام. أسس شركة سينمائية بدأت أعمالها بفيلم «زينب». أول فيلم صامت. ثم أنتج أول فيلم ناطق في السينما العربية: «أولاد الذوات» سنة 1932. وشاركته بطولته الممثلة الفرنسية كوليت دارفوري مع الشابة أمينة رزق.
إن كتاب أشرف بيدس لا يملّ. ففي كل فصل مفاجأة. وهو واحد من مطبوعات عديدة صدرت في السنوات الأخيرة عن نجوم الماضي. لماذا هذا التعلق بهم بعد أن انطفأوا ومضت أيامهم؟ قد لا يكون «الزمن الجميل» جميلاً للجميع. لكن الشعوب تقيس وتتأسف وتحوقل مثل عبد الوارث عسر.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة