تحالفات مؤدلجة: عن المرزوقي غير «المنصف»

تحالفات مؤدلجة: عن المرزوقي غير «المنصف»

الثلاثاء - 4 شعبان 1440 هـ - 09 أبريل 2019 مـ رقم العدد [14742]
يوسف الديني
كاتب سعودي
قدر دول الاعتدال في المنطقة، وفي مقدمتهما السعودية والإمارات، أن تواجه استهدافاً منظماً من كل اتجاه؛ الخطابات المتطرفة، والتنظيمات الإرهابية، والتيارات المؤدلجة يميناً ويساراً، والدول التي تحمل مشاريع شمولية أممية على أمل متخيّل باستعادة خلافة متوهمة، وبالطبع شخصيات سياسية فقدت مصداقيتها تجاه الذات قبل الآخر، وتصدرت نجومية مشهد التأزيم ومداعبة الحشود رافعة ادعاء أنها «نبض الشارع»... هذه المكونات غير المتجانسة وجدت ملاذاً لأزماتها في مطبخ «الجزيرة»، كما وجدت القناة- الدولة أن رعاية هذه المتناقضات جزء من استثماراتها في المعارضات والأقليات مهما بدت متعارضة ما دامت أنها تخدم مشروعها السياسي الذي ارتهن على هوية سياسية مصطنعة ونيئة بلا طعم أو مذاق كالوجبات الإعلامية لمطبخ «الجزيرة» التي تدس سم التطرف والابتذال السياسي في عسل حرية التعبير ونصرة الشعوب، وتلك قصة أخرى.
الدكتور منصف المرزوقي الرئيس التونسي السابق يعتبر حالة خاصة مثيرة في طروحاتها التي تفتقر لأدنى آداب الدبلوماسية السياسية رغم أنه وصل إلى أعلى منصب يمكن أن يبلغه أي سياسي بفضل استغلال حزب «النهضة» لطروحاته الراديكالية على المستوى السياسي، ولغته العنيفة، وهجومه الذي يفتقر للحد الأدنى للإنصاف مع الذات أولاً، فهو ناقم على كل شيء سوى «الفكرة المسيطرة» عليه وهي أن المؤامرة على الربيع العربي الذي ساهم هو ومثقفون قوميون ويساريون في اختطاف الإسلام السياسي للتجربة، والوقوع في فخاخ الفوضى، والمقامرة السياسية لتستحيل تلك البلدان التي مسها «الربيع المتخيل» إلى مرتع لتنظيمات الإرهاب والتطرف وتصديره للخارج. بالأمس خرج الدكتور منصف المرزوقي على «الجزيرة»- الدولة التي يقيم فيها أكثر من بلده الذي تسنم فيه سدة الحكم بالتحالف أو- التوظيف المؤدلج مع حزب «النهضة» ليتهم كلاً من السعودية والإمارات بأنهما محور الشر العربي بسبب موقفيهما في المسألة الليبية في حين أن بيان البلدين كان صريحاً وواضحاً في المطالبة بضبط النفس من كل الأطراف، ومنهم المشير حفتر الذي يرى فيه الليبيون بصيص أمل في إنقاذ البلاد التي تحولت بفعل الميليشيات المتحالفة مع «الإخوان» والمدعومة من قطر وتركيا إلى أكبر تجمّع للتنظيمات الإرهابية ومعسكرات التدريب وتهريب السلاح إلى الحد الذي قرر فيه معظم المهاجرين إليها كنقطة انطلاق إلى أوروبا النزوح عنها إلى النيجر وبلدان أفريقية أخرى هرباً من الموت المحتوم والاختطاف.
المنصف لم يكن منصفاً حتى مع تونس حيث الكثير من التصريحات العنيفة تجاه تجربة تونس الأكثر نجاحاً على مستوى عاصفة الربيع العربي لولا التحديات الجمّة التي كانت فترة المنصف وتحالفه مع «النهضة» أحد مسبباتها، انهيارات اقتصادية، وبروز ظاهرة التطرف في أكثر المجتمعات العربية تقدمية على المستوى السياسي. فعلى سبيل المثال التقارير الغربية تتحدث عن أن تونس أكبر بلد مصدر للمقاتلين في صفوف «داعش» في فترة ما بعد الربيع العربي التي قاد فيها المرزوقي و«النهضة» البلاد إلى هاوية سحيقة من النزاع تحت اسم التمكين السياسي، والمفارقة أن السعودية بثقلها وحرصها على الصف العربي كانت أكبر مساهم لتونس في الوقوف مجدداً على المستوى الاقتصادي دون أي إملاءات سياسية، وهذا ما حدا بالمرزوقي إلى الهجوم الحاد على السلطات التونسية وادعاء أنها قامت بمنع بث مقابلة معه وأنها تكمم الأفواه ولا تبالي بحرية التعبير رغم نفي الحكومة لصحة ذلك، وهو اليوم يكيل الاتهامات للسعودية والإمارات في موقفيهما من ليبيا رغم كل الخرائب التي صنعها حلفاؤه السياسيون والمطبخ الإعلامي الذي بات أحد نجومه في تصدير الأزمات تجاه حكومة بلاده ودول الاعتدال، وهو المنبر ذاته الذي أطلق منه «بابا الإسلام السياسي» فتوى بوجوب اغتيال رئيس ليبيا السابق، ودعم «التنظيمات الجهادية» في اختطاف المشهد الليبي، وبنية تلك التنظيمات ومنها «داعش» التي تحزم حقائبها صوب ليبيا من التونسيين الذي أصدر المرزوقي عنهم عفواً عاماً بعد كل الجرائم الدموية في البلاد عام 2011.
هناك تحالفات هشة متجددة بنيت على أنقاض «الربيع العربي»، يجمع فيما بينها البكاء على انهيار تجربة الربيع بما حملته من آمال عريضة وتصورات فانتازية عن عالم عربي وشرق أوسط جديد. السياسي المؤدلج غير راض على ما آلت إليه الأوضاع، ولديه أزمة حقيقية مع دول الاستقرار تعود إلى رغبته في ابتزاز أنظمتها السياسية عبر المطالبة المبتسرة بالإصلاحات السياسية ولو بدفع أثمان باهظة، كالتحالف مع التطرف وآيديولوجيا العنف.
المنصف حالة سياسية تستحق الدراسة من زاوية علم النفس السياسي أكثر من أخذ خطابه على محمل الجد.
هناك تحالف مشبوه بين الثائر السياسي المستلب من الإسلام السياسي وبين مشروع استهداف دول الاعتدال الذي يجمع تلك الخلطة غير المتجانسة ويتم تمرير تلك التناقضات تحت شعار الخوف من عودة حكم العسكر والأنظمة القمعية وتراجع الحريات السياسية، في حين أن كل هذه المخاوف كانت حقائق وأرقاماً في ظل تجارب الحكم الفاشلة التي قادها الإسلام السياسي إما بتصعيد شخصيات مصنوعة يديرها المرشد العام، أو شخصيات مأزومة سياسياً أبعد ما تكون عن الإنصاف ولو تسمت به حيث الأسماء لا تعبر عن الحقائق.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة