لا هانوي في الجولان ولا هونغ كونغ في دمشق

لا هانوي في الجولان ولا هونغ كونغ في دمشق

الثلاثاء - 27 رجب 1440 هـ - 02 أبريل 2019 مـ رقم العدد [14735]
نديم قطيش
إعلامي لبناني
لا يخفى البعد الانتقامي لعبارة «الأسد باع الجولان»، التي راجت على ألسن كثيرين من خصومه، في الوسط الجماهيري تحديداً، بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب اعتبار الجولان جزءاً من إسرائيل. هي في مكان ما رد على عبارة الممانعين الشهيرة، أن «العرب باعوا فلسطين».

مثل هذه العبارات جزء من تاريخ النكد السياسي المتبادل، بين المتخاصمين العرب، وإن كانت لا ترقى إلى حدود النقد السياسي المفيد، ولو على سبيل المحاجَّة وتسجيل النقاط.

لا شك أن الجولان قصة مليئة بالرموز. فسوريا خسرتها خلال حرب عام 1967، وكان يومها حافظ الأسد وزيراً للدفاع، ونائباً للقائد الأعلى للقوات المسلحة. ما أفرزته هذه الخسارة كان له النصيب الأكبر في تشكيل تاريخ سوريا الحديث. كانت الجولان في صلب الخلافات التي اندلعت بين صلاح جديد، الرئيس الفعلي لسوريا في تلك الحقبة، وبين حافظ الأسد. وما لبثت أن تفاقمت في ضوء تطورات «أيلول الأسود» عام 1970، في الأردن، وتلكؤ حافظ الأسد عن الإسناد الجوي للقوات البرية السورية، التي أمرها جديد بمناصرة الفلسطينيين ضد قوات الملك حسين، ما دفع جديد لمحاولة عزل الأسد ورجالاته، قبل أن ينقلب الأخير عليه وعلى الرئيس نور الدين الأتاسي، في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 1970، عبر ما سمي «الحركة التصحيحية»، ممهداً لتسلم الحكم بشكل رسمي في 12 مارس (آذار) 1971.

حمَّل جديد الأسد مسؤولية خسارة الجولان، وعاب عليه لاحقاً انعدام حميته تجاه الفلسطينيين، الذين قرر الأردن طردهم، بعد أن حاول أبو عمار جعل الأردن قاعدة انطلاق للعمليات العسكرية ضد إسرائيل، كتعويض عن خسارة الضفة الغربية، وهي مسؤوليات لا شك أن للأسد نصيباً فيها، من دون أن يكون المسؤول الوحيد.

يتشارك كل من جديد والأسد التأسيس لمذهبة النظام السياسي السوري، وهما الوافدان من الوعي الأقلوي العلوي؛ لكن جديد افتقر إلى البراغماتية السياسية الذي ظلت الميزة الأبرز للأسد، وجعلته يعمل في السياسة، مع السُّنة، بعقل حسابي دقيق، وبفائض دموية، سيأخذها نجله بشار لاحقاً إلى مرتفعات جديدة في التجربة الأسدية.

لا تؤخذ على حافظ الأسد براغماتيته، أو قعوده عن الحرب، وهو من لمس هذا الاختلال يوم خسر الجولان. ولا يُعتد بفتوة صلاح جديد المتهورة وهي الصادرة عن شخصية عسكرية، متواضعة في إمكاناتها، كما ظهر في قراره محاربة الأردن، من دون إدراك الحماية الدولية للنظام الملكي الهاشمي، ومن دون الأخذ بعين الاعتبار الواقع الاقتصادي السوري المتردي آنذاك.

ما يؤخذ على الأسد، في مسألة الجولان تحديداً، هو أن الرجل أدار ظهره للتحرير كما أدار ظهره للتنمية. لم يبنِ على الواقعية السياسية في مسألة الصراع مع إسرائيل، ما يتيح له ابتكار مشروعية أخرى في الداخل السوري، تقوم على النماء والبناء، ونقل سوريا بإمكاناتها وعلاقاتها العربية إلى مصاف مختلفة.

انتهى المواطن السوري إلى معادلة قاتلة:

لا هانوي في الجولان، ولا هونغ كونغ في دمشق.

صدَّر نظام الأسد مهمة الصراع مع إسرائيل إلى «حزب الله» في لبنان، ووزع جزءاً كبيراً من أزمة سوريا الاقتصادية بين مافيا سورية تمسك بمفاصل الاقتصاد السوري وتعيد توزيع الثروة، عبر آلية زبائنية تضمن ثبات قاعدة النظام، وبين تصدير الجزء الأكبر من البطالة السورية للعمل في الورشة الإعمارية في لبنان، البادئة بعد اتفاق الطائف.

عاش النظام السوري على تصدير أزماته واستحقاقاته، وعلى الإمساك الحديدي بالمجتمع في الداخل، من دون أن يستفيد من يوم واحد من عقود تجميد الصراع مع إسرائيل، لصالح بناء أي شيء مستدام. لطالما أراد حافظ الأسد من المقاوم صورته من دون أثمانه، ومن رجل السلام سمعته من دون شجاعة قراراته، ومن باني سوريا الحديثة لافتات تمتدحه بلغة فارغة، من دون أي إنجاز حقيقي يسند اللغة والرطانة.

كانت للراحل رفيق الحريري نظرية غير معلنة، تحكم كل رؤيته السياسية. يقول: «لقد حاربنا إسرائيل لخمسين سنة من دون أن نبني في الداخل، والنتيجة هي الفشل، فلماذا لا نقلب المعادلة ونستثمر في الداخل، كي نبني قاعدة أصلب، إما لمواجهة إسرائيل وإما للاتفاق معها، على قاعدتي القوة والحقوق المشروعة؟».

وللإمارات العربية المتحدة تجربة رائدة في إدارة الأولويات ذات الحساسية القومية. تخيلوا لو أن شرعية النظام الإماراتي قامت على تحرير الجزر الإماراتية الثلاث التي تحتلها إيران، وأن الدولة خصصت لهذا الغرض جل إمكاناتها وعلاقاتها وخطابها، وصنعت موقعها بين الدول بناء على لغة المقاومة والتحرير، ولم تنصرف إلى إنتاج النهضة الاقتصادية والتنموية والعمرانية والثقافية التي تميزها اليوم بين معظم دول العالم. تخيلوا فقط، وانظروا إلى إمارات اليوم!

أضاع النظام الأسدي الجولان، وأضاع بعدها دمشق، وفي الطريق دمر بيروت وبغداد والموصل وحمص وحلب.

كل عاقل سيُستفز من قرار ترمب بشأن الجولان؛ لكن أي عاقل سيحاجُّ بصدق، بأن عودتها واجبة إلى نظام الأسد؟

كيف يؤتمن على الجولان من أضاع سوريا كلها؟ هذا سؤال في الأخلاق قبل أن يكون في السياسة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة