د. محمد النغيمش
كاتب كويتي متخصص في علوم الإدارة. حاصل على الدكتوراة في القيادة من كلية ساوثهامبتون للأعمال في المملكة المتحدة وماجستير في إدارة الأعمال من جامعة ماستريخت الهولندية. ألف عدداً من الكتب منها "عقلية الإسفنجة".
TT

مستقبل المقال الصحافي

ناقش منتدى الإعلام العربي في دبي، الأربعاء الماضي، مستقبل الصحافة، والتلفزيون، والإذاعة، والبث الصوتي (podcast) وغيرها. غير أنني كنت أتساءل: ماذا عن مستقبل المقال الصحافي؟ وهو لون أصيل من ألوان العمل الصحافي، ما زالت تحتفي به جائزة الصحافة العربية، فهي الجائزة الوحيدة التي يسلمها شخصياً الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بينما نسلم نحن أعضاء مجلس إدارة باقي الجوائز. هذا الاعتراف الكبير بمكانة «أصحاب الرأي» والفكر، يجعلني أتساءل: كيف سيكون مصير مقالاتهم في عصر التطور التكنولوجي المتسارع؟
بداية، نحن نتحدث عن رقم هائل من الكُتاب حول العالم، ففي أميركا وحدها هناك 1286 صحيفة، وفي البرازيل نحو 500، وكل صحيفة فيها عشرات الكُتاب، ويقصد هؤلاء عامة الناس وأصحاب القرار. أرى أن مقال الرأي لن يموت. فما زال الناس منذ بدء الخليقة يحتاجون إلى رأي سديد يسلط الضوء على حل أو مشكلة أو قضية تستحق التفكير. وسوف يستمر الإقبال على أصحاب الرأي إلى عقود مديدة؛ خصوصاً المتخصصين، فمنهم المستشارون، وأصحاب الخبرات، والأفكار النيرة، ومنهم من يرسمون البسمة بطرحهم الساخر لقضايا أمتهم. ولا تكاد تخلو قائمة هواتف معدي كل برامج التلفزيون والإذاعة والمؤتمرات من أرقام هواتف المتخصصين في شتى المجالات، فهم من يضيفون بعمق للموضوعات محل النقاش.
مستقبل مقال الرأي يجب ألا يكون محصوراً في النص. فمن الحكمة أن تبادر الصحف إلى إرفاق فيديو مصاحب للمقال، يظهر فيه صاحب العمود ليعلق باختصار على مقال اليوم، حتى يكون هناك رابط نفسي ومرئي بين أصحاب الرأي وقرائهم. وأرى أن هذه الفكرة يجب أن تتبناها معظم الصحف، لتجدد رونق العمود الصحافي، ويصبح صاحبه متواصلاً مع قرائه بالصوت والصورة. من هنا كنت من أشد المؤيدين لوضع صورة كاتب المقال، ففي السابق كنَّا نتابع كاتباً مميزاً ولا نعرف صورته، قبل ازدهار الإنترنت!
الآفة التي يمكن أن تقتل مقال الرأي هي تقلص مساحة الحرية. فالرأي السديد يزدهر في أجواء من الحرية. ولذا أطلقت مقترحاً عبر حسابي في «تويتر» بأن يتبنى أحد المهتمين إطلاق تطبيق يجمع فيه كل كتّاب المقالات، ويصنفهم بحسب موضوعاتهم، ويظهر أعداد القراءات، والدول التي تتابع الكاتب، وعدد من يقرأون المقال في هذه اللحظة، ويضم ذلك فيديوهات مصورة للكاتب تضفي على المقال جاذبية عصرية. وقد أخبرني رجلا أعمال «سراً» برغبتهما في تبني هذا المشروع، إلا أنه لم يرَ النور حتى هذه اللحظة.
في رأيي، أن الصحافة ستستمر كمهنة؛ لكن أدواتها أو منصاتها ستتغير، وكذلك المقال. سوف تستمر حاجة الناس إلى من يحلل، ويفكر، ويوضح، ويقدم المعلومات المفيدة والممتعة. والصحافة تحلق بجناحي «المحتوى الخبري» والرأي.