الشيخوخة ليست تهمة

الشيخوخة ليست تهمة

الثلاثاء - 19 رجب 1440 هـ - 26 مارس 2019 مـ رقم العدد [14728]
داود الفرحان
كاتب عراقي
بينما تتحدث دول «قلقة» عن ضرورة قيام مجتمعات «متجانسة» لجميع الطوائف والأديان والأحزاب، تمنح دول «مستقرة» الأولوية لقيام مجتمعات «متفاهمة» لجميع الأعمار. وتتوقع الأمم المتحدة أن يزداد عدد الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على ستين سنة من 600 مليون شخص إلى نحو مليار شخص بحلول عام 2050. وسترتفع أعداد المعمرين في الدول النامية بنسبة أربعة أضعاف الأرقام الحالية، وعليها أن تعي بمسؤولية كاملة معنى هذا التحول الديموغرافي الذي يشكل تحدياً غير مسبوق لخلق مزيد من الفرص أمام كبار السن لاستمرار تفاعلهم الإيجابي في دوران عجلة الحياة. لقد تنبهت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1982؛ فأقرّت تهيئة بيئتين، دولية ووطنية، تعززان قيام مجتمعات لجميع الأعمار، في إطار خطة عمل دولية للشيخوخة وكبار السن. لقد ذهب عهد «دور العجزة» الذي كانت الدول تتباهى فيه بزيادة أعدادها لاستيعاب أكبر عدد ممكن مما كان يسمى «العجزة» في إشارة إلى كبار السن. وينبغي على الدول كافة أن تجري تعديلات في دساتيرها ونظمها للرعاية الاجتماعية ترفض فيها أي شكل من أشكال التمييز على أساس السن. وهذا الأمر ينطبق أكثر على سكان الدول المتقدمة التي تعتبر شيخوخة مجتمعاتها إنجازاً إيجابياً، بسبب تطور الرعاية الصحية بعكس نظرة مجتمعاتنا «القلقة» التي تصف كل «متقاعد» بأنه «ميت قاعداً»! أي إنه عاجز عن الحركة وأي نشاط حيوي وإنساني. لقد انتبهت اليابان منذ أكثر من نصف قرن إلى أن أعداد كبار السن فيها تزداد سنوياً بنسب متصاعدة؛ الأمر الذي دعا إلى المطالبة بالاحتفال بـ«عيد كبار السن» لمداواة جراح السنين. وعموماً فإن القارة الآسيوية ستصبح بحلول عام 2050 المنطقة التي تضم أكبر عدد من كبار السن، تليها أفريقيا.
وفي العادة يتم تحديد حجم وعمر كبار السن استناداً إلى ثلاثة مشتركات، هي الوفيات والهجرة والخصوبة. ويُقرع جرس الإنذار إذا ما مال عامل الوفيات إلى التصاعد على حساب العاملين الآخرين، وهما الهجرة والخصوبة.
ودعت الأمم المتحدة إلى إلقاء «نظرة أخرى على التصورات الحالية بشأن الشيخوخة وآليات رعاية كبار السن ونُظم الدعم المشتركة بين الأجيال والقيود المالية». وظهر مصطلح جديد هو «الشيخوخة الفاعلة» بهدف تيسير مواصلة الحياة باستقلال في المنزل وتوفير الخدمات والمرافق التي تلبي أنواعاً شتى من الاحتياجات، في مقدمتها تعزيز الروابط العائلية وتقديم الدعم لوحدة الأسرة بوصفها المصدر الرئيسي لرعاية كبار السن. وتولي الأمم المتحدة أهمية خاصة للنساء المسنّات اللاتي يواجهن تفاوتاً اجتماعياً في الدول النامية. وأمام الحكومات تحديات كبرى في هذا الإطار مثل الصحة الجيدة والأمن الاقتصادي والسكن اللائق والعيش في بيئة مواتية واحترام كرامة المسنين مع مرونة أمام سن التقاعد الإلزامي وعدم كفاية المعاشات التقاعدية والضمان الاجتماعي.
مع كل تقدم الطب والعلم والرفاهية فإن وصول الإنسان إلى عمر المائة سنة ما زال أمراً صعباً جداً ولا يمكن بلوغه إلا في حالات شاذة معدودة، يسلط الإعلام الأضواء عليها وقد يدخل بعضها في موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية. وفي اللغة الإنجليزية تعبير ليس له ما يماثله في المعنى في اللغة العربية عمن يصل عمره إلى مائة سنة فما فوق وهو «Centenarian» أي «الشخص القَرني»، إذا صح التعبير، وجمعهم «الأشخاص القَرنيون». وتتوقع بريطانيا أن يصل واحد من كل ثلاثة أطفال ولدوا في بريطانيا عام 2013 إلى عمر المائة سنة... والأعمار بيد الله. في عام 2012 قرأت عن رجل يمني تجاوز عمره 160 سنة وطلع له قرن في رأسه! ولكني أشك في دقة هذا الخبر لعدم وثوقيته. وقرأنا أخباراً مماثلة غير موثقة عن معمرين هنود وسعوديين ويابانيين وصينيين وإندونسيين قيل إن أحدهم بلغ عمره نحو 150 سنة ويتذكر حروب نابليون الأول!
وانتبه العلماء إلى أن أكثر المعمرين في العالم هم من سكنة المدن الجبلية والقرى النائية التي تكاد تكون منعزلة عن التكنولوجيا الضارة وثقب الأوزون و«الحشد الشعبي» و«داعش» و«حزب الله» و«الحوثيين»، وأسعار الدولار والنفط والديمقراطيات العربية. ففي إيطاليا - مثلاً - بلد النجمة صوفيا لورين (82 سنة) توجد قرية شبه منعزلة تدعى «أكسيارولي» تتميز بأن نصف سكانها قاربوا المائة عام على الرغم من وجود نسبة منهم من المدخنين والبدناء. وتوصل الباحثون إلى أن السبب يعود إلى عدم انتشار الصناعات الملوثة في القرية ومنطقتها الجبلية والخضرة الدائمة، ما يبعد السكان عن الضوضاء والتلوث وأمراض القلب وألزهايمر، ويحافظ على وظائف المخ والذاكرة والبنكرياس. ويُمضي المعمرون أيامهم في صيد السمك أو ركوب الدراجات الهوائية أو تأمل الطبيعة والبحر أو لعب الدومينو.
واحتفل قبل ثلاثة أشهر نجم السينما الأميركية في عصرها الذهبي كيرك دوغلاس والد النجم الشهير مايكل دوغلاس بعيد ميلاده الثالث بعد المائة. وقبل أكثر من عشر سنوات، أصدر دوغلاس كتابه التاسع الذي أقسم أنه سيكون كتابه الأخير. والكتاب عبارة عن «مندبة مماتية» من الغلاف إلى الغلاف، ضم خمسة فصول عناوينها: «التفكير في الموت» و«التعامل مع الموت» و«اقترَبَ الموت» و«قراءة النعي» و«غروب الشمس»! وعلقت وكالة «رويترز» للأنباء في حينه، فقالت إن الكتاب دعاية مبكرة لمشروع يفكر دوغلاس في تأسيسه بعد أن تقاعد عن التمثيل وهو فتح محل «حانوتي» أو دفّان موتى! لكنه يدافع عن نفسه قائلاً، إن «هذا هو ما يفكر فيه الناس في مثل سنه حين يتساءلون ما إذا كانوا قاموا بأشياء جيدة في حياتهم». لقد قام ببطولة تسعين فيلماً تقريباً ظهر فيها كلها أنيقاً ومستعداً للقتال وجذاباً... ومختلفاً عن غيره. وعن تجربة العمر المديد يقول: «إذا كنت تعتقد أن الذي يبلغ من العمر سبعين عاماً كبير في السن، فانتظر حتى تبلغ الثمانين، فإذا وصلت إلى الثمانين انتظر حتى تصل إلى التسعين ثم ابدأ بالعدّ العكسي»! وهو يعترف أنه وصل اليوم إلى هذه السن ولم يبدأ العدّ بعد لأنه يخشى الخطأ، فربما هناك خطأ مطبعي في سنة الميلاد.
وهب الله القراء طول العمر ورحم المطربة العراقية زكية جورج صاحبة أشهر أغنية عراقية، وربما الوحيدة عربياً، عن كبار السن تقول في مطلعها: «أنا من أكولن (أقول) آه وأتذكر أيامي... روحي تِرِفْ وتغيب وأغرق بأحلامي». الشيخوخة ليست تهمة، وإلا كانت الأرض نفسها جِرماً فضائياً مهدداً بالفناء.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة