مصالح اللبنانيين لا أجندة إيران

مصالح اللبنانيين لا أجندة إيران

الاثنين - 18 رجب 1440 هـ - 25 مارس 2019 مـ رقم العدد [14727]
حنا صالح
كاتب لبناني
إلى أين تأخذ هذه السلطة لبنان واللبنانيين؟ ولماذا كل هذا الاستهتار بالمصالح الحقيقية للبلد وأهله؟ وما الحكمة من المضي في سياسات عبثية تضع البلد في صدام دائم مع الشرعية الدولية ومع الشرعية العربية؟ وماذا سيجني لبنان من نتائج عندما تُزيل الجهات الرسمية كل الحدود بين الدولة ومصالح اللبنانيين من جهة ومصالح «حزب الله» من جهة أخرى؟ أليس أمراً مثيرأ للاهتمام أن أكثر زوار لبنان في السنوات الأخيرة التقوا على توجيه النصح بألا تتخذ السلطات اللبنانية خيارات متعارضة مع المصلحة الوطنية؟
أحدثت مباحثات مايك بومبيو وزير الخارجية الأميركية في بيروت صدمة للفريق الحاكم الذي فشل في إمكانية تغيير موقف الوزير الزائر ميلليمتراً واحداً حيال القضايا التي أراد طرحها، فمن على منبر وزارة الخارجية أعلن في بيانه المكتوب سلفاً أن لبنان وشعبه «يواجه خياراً إما المضي قدماً كشعب أبي أو السماح لطموحات إيران و»حزب الله» السيئة بأن تسيطر وتهيمن عليه». والمعنى واضح وهو أن الولايات المتحدة ترفض أن يحوز «حزب الله غطاء لأفعاله وسلاحه، وأنه في مرحلة فرض العقوبات الأميركية على النظام الإيراني وأذرعته العسكرية، ليس مفيداً التذاكي وتدبيج الأطروحات عن الأمن فيما السلاح خارج الشرعية يتحكم في مفاصل الدولة وقرارتها دون أي إمكانية للمساءلة والحساب.
الزيارة – الحدث، التي تناولت أمن المطار والمسافرين عبر بوابة لبنان إلى العالم، نبهت كذلك إلى خطورة استخدام «حزب الله» إمكانات الدولة ووضع يده على المساعدات المقدمة للبلد، وبدت في جوهرها خطوة أساسية في سياق تصاعدي لجهة ذهاب الإدارة الأميركية إلى فرض حزمة جديدة من العقوبات يتردد أنها ستطال حلفاء «حزب الله»، فالوزير بومبيو كشف أن بلاده ماضية في «تضييق الخناق على التمويل والتهريب وشبكات الارهاب وإساءة استخدام المناصب والنفوذ». وكان لافتاً أن الزائر الأميركي كان حازماً في التأكيد أن واشنطن التي تحمل إيران وميليشياتها المسؤولية الكاملة عن زعزعة استقرار المنطقة لن تتردد في استخدام ما تملك من أدوات «تطال الجهات التي تدعم سلباً أو إيجاباً هذه النشاطات».
يبدو من الخطاب السياسي للجهات اللبنانية التي دأبت على «التبرع» بتفسير الموقف الأميركي على هواها، أنها لم تستوعب بعد مدى فاعلية العقوبات الأميركية، رغم أن خامنئي وروحاني والأسد ونصر الله اعترفوا على التوالي بما أحدثته من اختناق يتزايد يوماً بعد يوم.. كما لا يبدو أن هذه الجهات تجيد قراءة مسار الأحداث في المنطقة، وأقله البعد الذي ينطوي عليه عجز طهران عن إنشاء «حزب الله» جديد في اليمن، أو أهمية منع النظام الإيراني من تطوير بنية عسكرية جدية في سوريا والحؤول دون إمكانية فتح الجسر البري الذي يربط طهران بالمتوسط.
هنا لا بد من فتح مزدوجين للإشارة أنه بفضل الحكومات المتعاقبة، لم يستدع لبنان اهتمام العالم إلاّ يوم «انتفاضة الاستقلال» في 14 أذار 2005، التي غُدرت سريعاً، ففي مرحلة سابقة كانت زيارات المسؤولين الدوليين تتم بسبب وجود منظمة التحرير الفلسطينية وتأثيرها، ولاحقاً بسبب الاحتلال السوري، واليوم بسبب السلاح والدور الإيراني من جهة وبسبب وجود مليون ونصف المليون لاجئ سوري.
لنضع جانباً زيارة بومبيو والتأثيرات التي ستتركها، فبيروت لم تناقش الموقف الأممي من لبنان الذي ورد في إحاطة السيد غوتيرس إلى مجلس الأمن الدولي عن تطبيق القرار 1701، الذي سفَّه الحديث الرسمي اللبناني عن الاستقرار، بإعلانه أن لا استقرار مع وجود سلاح غير شرعي، مضيفاً أن القبول الرسمي بهذا السلاح هو انتهاك للقرار 1701، والتغاضي الرسمي عن نقل السلاح الذي لا يتبع الشرعية هو انتهاك آخر، وفوق ذلك كله هناك إعاقة رسمية لقوات «اليونيفل» حدَّت من ممارستها لدورها، كما لم تحدد السلطات الرسمية موقفها من قضية الأنفاق الثابتة دولياً والتي تشكل خرقاً للخط الأزرق.
خلاصة ما قاله الوزير بومبيو أن على لبنان أن يحذر من أخذ خيارات تسهل الدور الموكل إلى «حزب الله» في لبنان كما في الإقليم، ومعروف مدى عمق الانقسام اللبناني على هذه الخيارات، وبالتالي ليس جائزاً أن يصبح لبنان ضحية لها؟ الكل يعرف أن هذه الجهة الممثلة في البرلمان كما في الحكومة لا تولي أولوية لمصالح البلد وأهله، وآخر الأدلة تهديد نصر الله بالدخول في الحرب لو تعرضت إيران لعدوان إسرائيلي فأين هي يا ترى المصلحة اللبنانية في أخذ لبنان قسراً إلى حرب لا ناقة له فيها ولا جمل؟ هذا الوضع الدقيق كان يُحتم على الحكومة ورئيسها، وهو المتحدث الرسمي باسم لبنان، توضيحا بأن خيارات الحزب ليست خيارات البلد، وأن السلطة اللبنانية ليست سياجاً لخيارات حددتها أجندة المصالح الإيرانية في الإقليم ولبنان.. علّ مثل هذا الموقف لو صدر يخفف من وطأة ما أعلنه رئيس الجمهورية عشية زيارة بومبيو من أن لا حدود فاصلة بين مصالح الكثرة الساحقة من اللبنانيين ومصالح الحزب.
الوزير بومبيو خاطب من بيروت السلطات اللبنانية والطبقة السياسية ووضع الجميع أمام الحقيقة، وسبقه إلى ذلك أمين عام الأمم المتحدة، ومع اعتراف خامنئي أن العقوبات موجعة وتسببت بـ»أكبر ضغط اقتصادي لم تعرفه إيران منذ 40 عاماً»، لا يعود مستساغاً للمسؤولين اللبنانيين، وهم سيتحملون المسؤولية، اعتماد المكابرة على غرار أطراف «الممانعة»، وباتت مفضوحة ومكشوفة الزرائع بوجود إمكانية دونكيشوتية لكسر المقدر على غرار القول: وعدتكم بالانتصار..

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة