سيد قطب وتجاربه النسائية في أميركا

سيد قطب وتجاربه النسائية في أميركا

الأحد - 17 رجب 1440 هـ - 24 مارس 2019 مـ رقم العدد [14726]
علي العميم
كاتب وصحافي سعودي
مع أن رسائل سيد قطب من أميركا إلى أصدقائه في القاهرة - كما باح لنا وديع فلسطين - تمتلئ بالشكوى المرة من المعاملة العنصرية التي جابهها في أميركا بسبب سمرته الداكنة وملامحه الزنجية، فإنه فيما كتبه بكراهية وحقد عن أميركا حرص على أن يخفي التعامل المهين الذي تعرض له هناك، لكي لا تفسر كتابته عن أميركا أنها كانت بدافع الانتقام الشخصي. هناك جملة وردت في سياق قصة رواها سيد قطب في كتابه (الإسلام ومشكلات الحضارة) يمكن أن نفهمها ونناقشها على ضوء تلك الحقيقة التي بالغ في التكتم عليها أمام قرائه. يقول سيد قطب في معرض هجائه لأميركا: «وأذكر بقدر ما يسمح الحياء وأدب الكتابة مشاهدة شخصية في أحد فنادق واشنطن: كنت مع زميل مصري ننزل في هذا الفندق بعد وصولنا إلى الولايات المتحدة الأميركية بيومين اثنين، وقد أنس إلينا عامل المصعد الزنجي، لأننا أقرب إلى لونه، ولأننا لا نحتقر الملونين، فجعل يعرض علينا خدماته في الترفيه... ويذكر عينات من هذا الترفيه بما فيها من الشذوذات المختلفة... وفي أثناء العرض جعل يقص علينا أنه كثيراً ما يكون في إحدى الحجرات زوج من الفتيان والفتيات. ثم يطلبان إليه أن يدخل إليهما زجاجة كوكاكولا... دون تغيير وضعهما عند دخوله!!! ولما بدا علينا الاشمئزاز والاستغراب، وقلنا له: أما يخجلان؟ أجاب بدوره متعجباً لاشمئزازنا وتعجبنا وسؤالنا عن الخجل: لماذا؟ إنهما يرضيان ميولهما الخاصة، ويمتعان أنفسهما».
في هذه القصة أراد سيد قطب أن يوحي للقارئ أنه حين قدم إلى أميركا كان يتحدث الإنجليزية. وهذا أمر غير صحيح. ولقد سألت قبل أكثر من عقد وديع فلسطين - ضمن أسئلة أخرى حول سيد قطب في مكالمة تليفونية - هل كان يعرف شيئاً من الإنجليزية قبل ابتعاثه لأميركا؟ فأجابني: إنه كان يجهلها على نحو تام.
إن سيد قطب لو قال إن زميله المصري كان يتحدث الإنجليزية أو يحسن شيئاً منها، وكان يترجم ما يقوله للعامل الزنجي وما يقوله العامل الزنجي له، لكانت قصته مقنعة.
العامل الزنجي - كما فسر سيد قطب - أنس إليهما لأنهما أقرب إليه في اللون. ويفهم من هذا أن زميله المصري بدرجة سماره نفسها، وقد لا يكون بالضرورة كذلك، فقد يكون أفتح قليلاً أو كثيراً أو حنطي اللون، فتفصيل كهذا يكره سيد قطب أن يخوض فيه.
تفسير سيد قطب الأول أن العالم الزنجي أنس إليهما، لأنهما أقرب إليه في اللون تفسير مقبول ومعقول ومستساغ، لكن تفسيره الثاني مضحك، فضلاً عن أنه يتعارض مع التفسير الأول. ففي التفسير الأول قال إنهما قريبان منه في اللون. وهذا معناه أنه أنس إليهما لأنه يعتبرهما أخوين له في اللون. والتفسير الثاني يتسق معه أن يتباهى به رجل أبيض أشقر الشعر أو ذو شعر أصهب في أوج زمن العنصرية في التاريخ الغربي.
التناقض الآخر أن سيد قطب أخبرنا أن العامل زنجي ثم اعتبره في تفسيره الثاني «ملوناً». وهذا معناه أنه لا يفرق بين معنى كلمة «زنجي» ومعنى كلمة «ملون» في الاصطلاح الأميركي. فالزنجي عنده ملون. والملون عنده زنجي!
ظهرت كلمة «ملون» في أميركا بعد بروز كلمة «نيغرو» فيها. وكلمة نيغرو ذات أصل روماني لاتيني، وهي تساوي في العربية كلمة زنجي وكلمة «نيغر» تقال للأسود بغرض الذم.
أما كلمة ملون، فهي لا تطلق على الزنجي، وإنما تطلق على ذوي اللون الخلاسي، وقد اكتسبوا هذا اللون نتيجة لتزاوج الرجل الأبيض مع المرأة السوداء، وتطلق على لون البشرة التي يحملها اليابانيون والصينيون والمكسيكيون وسكان أميركا اللاتينية المهجنون.
والملون في عرف الأميركيين هو الذي ليس أبيض كما هو بياض الأوروبيين، وبخاصة بياض الشمال الأوروبي، وليس أسود كما هو سواد الزنوج.
ليس من باب الفضول أو «الحشرية» أن نحاول أن نفهم - على علّات تفسيره الثاني - كيف عرف عامل المصعد الزنجي أن سيد قطب وزميله المصري لا يحتقرانه؟ هل كانا يتبسمان في وجهه ويلقيان عليه التحية كلما رأياه؟ هل هما اللذان أنسا إليه، فبادره زميله المصري بالحديث، ليتسلل من خلال هذا الحديث إلى السؤال عن شؤون الجنس وشجونه في واشنطن، ليستمتعا بالاستماع لما سيرويه عن هذه الشؤون والشجون أم هو أنس إليهما، فبادرهما بالحديث حول تلك الشؤون وتلك الشجون، لأنه تعشم أن يكون هذان الغريبان زبونين لديه، فمما رواه سيد قطب عرفنا أن عامل المصعد الزنجي كانت لديه مهنة إضافية، وهي القوادة؟ وماذا يعني بـ«الشذوذات المختلفة»؟ هل يعني بها ما قصّه عليهما أم يقصد بها الجنس الفموي؟!
كل هذه الأسئلة، لأني أشكك في الكيفية التي روى سيد قطب فيها قصته، وأرى أنه لم يكن صادقاً في رواية كيف حصلت القصة.
هذه القصة تقودنا إلى سرد قصتين رواهما عنه الشيخ مصطفى العالم فيهما كثير من الجموح في الخيال الجنسي.
الشيخ مصطفى العالم هذا هو أحد الذين عاشوا مع سيد قطب في زنزانة واحدة فترة ستة أشهر عام 1954 وهو من ضمن أعضاء تنظيم 1965 الذين هربوا من مصر إلى السعودية.
القصتان رواهما الشيخ مصطفى العالم عن سيد قطب في مقاله (شهيد الفكر الإسلامي سيد قطب في ذكراه السادسة)، المنشور في مجلة (الشهاب)، العدد التاسع بتاريخ 1 سبتمبر (أيلول) 1972.
ينقل الشيخ عنه قوله في القصة الأولى المعنونة بـ(ومضة): «بينما أنا على ظهر الباخرة خلال سفري إلى أميركا أخذتني نشوة ألقت بي في شعاع من نور اطمأن له قلبي، واستراحت له نفسي واطمأنت إليه أيما اطمئنان، وبعد إغفاءة قصيرة خاطبت نفسي: أأذهب إلى أميركا وأسير فيها سيرة المبتعثين العاديين الذين يكتفون بالأكل والنوم والسياحة أم لا بد من التميز بسمات معينة؟! وهل غير سمة الإسلام والتمسك بآدابه والالتزام بمنهاجه في الحياة وسط هذا المعمعان المقرف المزود بكل وسائل الشهوة واللذة والحرام؟! ورأيت أن أكون الرجل الثاني، وأراد الله أن يمتحنني هل أنا صادق فيما اتجهت إليه، أم هو مجرد خيال، فابتلاني سريعاً، وكانت هذه الحادثة.
بعد هذه الخواطر عدت إلى غرفتي في الباخرة، وما هي إلا دقائق حتى كان الباب يقرع، وفتحت فإذا فتاة هيفاء جميلة فارعة الطول شبه عارية، يبدو من مفاتن جسمها كل ما يغوي وبدأتني القول بالإنجليزية: هل يسمح لي سيدي بأن أكون ضيفة عليه هذه الليلة؟ فاعتذرت بأن الغرفة معدة لشخص واحد، وكذا السرير. فقالت: ولكن كثيراً ما يتسع السرير الواحد لاثنين. واضطررت أمام وقاحتها ومحاولة الدخول عنوة لأن أدفع الباب في وجهها لتصبح خارج الغرفة. وسمعت ارتطامها بالأرض الخشبية في الممر، فقد كانت مخمورة».
ومع أن لهذه القصة التي رواها سيد قطب للشيخ مصطفى العالم تتمة، فإن صلاح عبد الفتاح الخالدي الذي كرر إيرادها في ثلاثة من كتبه عن سيد قطب (سيد قطب: الشهيد الحي، سيد قطب: من الميلاد إلى الاستشهاد، أميركا من الداخل بمنظار سيد قطب)، والذي ينقل الكتاب الإسلاميون عنه هذه القصة، ينهيها عند هذا الحد! ربما لأنه يتحفظ على تتمتها لتزمت ديني فيه. وسأورد لكم تتمتها.
يقول سيد قطب في تتمتها: «فخرجت عليها لأسألها عن غرفتها لأدلها عليها، فلعلها أخطأت الطريق من أثر السكر، وكانت تقذفني بأبشع السباب مما يعافه السمع، لكنني رأيت من واجبي أن أتحرى رقم غرفتها وأعيدها إليها. وقلت: الحمد لله. هذا أول ابتلاء. وشعرت باعتزاز ونشوة، إذ انتصرت على نفسي وبدأت تسير في الطريق الذي رسمته لها».
القصة الأخرى رواها الشيخ مصطفى العالم بضمير المتكلم، فقال: «وفي مرة كان يتابع إحدى المحاضرات جلست إلى جواره فتاة وبدأته الحديث، فقال لها: دعينا - يا ابنتي - نتابع الأستاذ المحاضر. فهالها أن يخاطبها بـ(يا ابنتي) إذ أحست أنها أهينت، وأنها صغيرة دون مستوى مخاطبته، فغضبت وقالت: ألا أصلح أن أكون صديقة لمثلك؟ وحاول أن يفهمها أن هذه الكلمة تحمل بالعربية معاني العطف والمودة من الكبير لمن هو أصغر منه سناً، ولكن عبثاً، فقد كانت تحاول أن تقحم نفسها في حياته وأن تفرض نفسها عليه، واستمرت تزوره وتضايقه حتى بعد أن انتقل إلى جامعة أخرى في مدينة أخرى إلى أن استطاع الإفلات منها حين أنهى بعثته وعاد سالماً غانماً، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وذلك هو الفضل العظيم».
لا أقول إلا كما كان الخواجة بيجو - ذو الاسم العائلي اليوناني الطويل أتذكرون اسمه؟: مسفريتو كطاليونو بستانو أرسيانو جندوفلو كوكاج باولو باسطاولو بولو بينو فينو بيجو - يقول بلهجة مصرية مكسرة عندما يضيق بفشر صاحبه المصري القح (أبو لمعة): «يا خواتي... يالنافوخ بتاع أنا». في يقيني أن عقل الخواجة بيجو كان أفضل حالاً من عقول الإسلاميين العرب وغير العرب، فهذا اليوناني المتمصر - على الأقل - كان يشكك في الروايات الكاذبة التي يسمعها من صاحبه المصري (أبو لمعة).
وللحديث بقية...

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة