كيفية الاستفادة من التنوع البشري والثقافي

كيفية الاستفادة من التنوع البشري والثقافي

السبت - 16 رجب 1440 هـ - 23 مارس 2019 مـ رقم العدد [14725]
مها محمد الشريف
كاتبة سعودية مهتمة بالشأن السياسي
عندما نعيد صياغة بعض المقالات القديمة مجدداً فنحن نعيش الزمن الفردي أو الزمن الظرفي الذي يكشف عن علاقة مماثلة مع ما يعيشه العالم اليوم، وهو بدوره يظهر أهمية المجموعات البشرية والاقتصادات والدول والثقافات والأشكال السياسية، والأخذ بعين الاعتبار الجزء المهم من أحداث الزمن الظرفي، وهم ضحايا الحروب وحوادث الإرهاب والأنظمة السياسية التي دفعت بالشعوب لترك بلدانهم، وأرغمتهم على الهجرة، ودفعوا ثمناً باهظاً من سلامتهم للنزوح من ساحات القتال إلى بلدان أخرى تكفل لهم حياة آمنة.
ورغم كل ذلك، أمكن لهم التاريخ هزيمة اليأس وصنع بيئة ممائلة تتيح لهم إنجاب حضارة تتشكل بهم في الشرق والغرب، والتخلص من طقوس الحرب وسجون آمالهم، حيث لجأ عدد كبير من مختلف الجنسيات إلى عدة دول غربية ومنها على سبيل المثال ألمانيا، وسأكتفي باستخلاص الفكرة التالية من العلاقات بين الأمم القائمة بين الأفراد والمجموعات والدول، ونقل فرص التاريخ الحديث والدور الريادي الفريد بالنسبة للفعالية والنظرة الجديدة له.
من هنا، نصل إلى تاريخ أكثر ارتباطاً بالجماعات البشرية في علاقتها ومحيطها، ومن خلاله تتعرف على الشعب الألماني من واقعه، بعيداً عن الصورة الذهنية التي ارتسمت في أذهان البعض، نتيجة لظروف وتراكمات مختلفة دفعت العالم لتصنيف الشعب الألماني كواحد من أكثر الشعوب الأوروبية تعاسةً وبؤساً.
لم ينشغل الألمان كثيراً بالدفاع عن أنفسهم، بل حرصوا على تلمس الخلل فقط وإصلاحه، ولعل كتاب «هكذا يرانا العالم» الذي تناول فيه عدد من المراسلين الصحافيين الألمان الصورة النمطية لمجتمعهم في أكثر من 15 بلداً في العالم، يؤكد أن ذلك المأزق قاد الألمان إلى حياة جديدة وأحدث تعبيراً عميقاً عن المتغيرات في الحياة، كما استطاع أن يقرع الجرس معلناً عن مناظرة جريئة.. شهدت تقلبات عنيفة زعزعت الفكر من أساسه، إذ نتجت عنها علاقات جديدة بين الإنسان والأفكار، وتجاوزت عقدة التاريخ لتحرر المجتمع من العزلة التي فرضها على نفسه ليتحول إلى مجتمع مثالي في التعايش والتسامح، وفي هذا الجانب، لن أسلط الضوء على تفوق الألمان في الصناعة ولن أفند أسباب التزامهم الصارم بالمواعيد والدقة في العمل، ولكني سأنفذ من ذلك إلى فضاء الإنسانيات وعلاقة الشعب الألماني بالآخر، وليكن القصد حول كيفية تعاملهم مع المقيمين كنموذج واضح لقدرتهم على تفكيك العلاقات الغامضة والمعقدة لكي تتوافق مع العصر الرومانسي على حساب الكلاسيكي الذي أعلنه نيتشه «عصر القلب»، حيث تغيرت القيم الثقيلة والمثقلة وأحدثت التغيير، وعدد الأجانب في ألمانيا يتجاوز عشرة ملايين نسمة.
لم يقتصر هذا التحول الإيجابي في طبيعة حياة الألمان الاجتماعية والإنسانية، على تنامي أعداد المقيمين بشكل دائم الذي فاق عشرة ملايين نسمة منذ بدء الإحصاءات عام 1967، وحرصت ألمانيا على إبراز الجوانب الثقافية لدى تلك الجاليات التي تعيش على أرضها من خلال إقامة كرنفال ثقافي يستمر عدة أيام، ويشارك فيه أبناء المقيمين من خلال موكب جميل يقوم فيه عدد من الفنانين من ثقافات مختلفة بالترفيه عن الحشود بأدائهم واستعراضاتهم.
إن وجود 15 مليون ألماني تعود أصولهم إلى مهاجرين أتوا إلى البلاد في وقت سابق، يشير إلى كثير من الدلالات والأرقام، ومن منطلق التعامل مع تدفق اللاجئين إليها، وخاصة من سوريا ومناطق مجاورة، بطريقة تسهل اندماجهم في المجتمع، يعتزم الحزب الاشتراكي الديمقراطي (الشريك في الائتلاف الحاكم) ترجمة المواد الـ20 الأولى من الدستور (القانون الأساسي) إلى اللغة العربية وتوزيعها على اللاجئين.
كما أن وجود تلك الثقافات المختلفة والمتعددة منح المجتمع الألماني ثراءً ثقافياً ومعرفياً، بل إن الكرنفال الثقافي أصبح يشكل قيمة مضافة إلى المشهد الثقافي الألماني، حيث يقام كل عام في برلين بمنطقة كروزبيرغ التي تضم أكبر جالية تركية وأكبر عدد من السكان الأجانب، وشهد مشاركة مئات الآلاف، فضلا عن 5 آلاف شخص من 75 دولة و900 فنان، ولم تقف درجة الحرارة التي بلغت 11 تحت الصفر عائقاً أمام تدفق الزوار الذين بلغوا مليون شخص في الأربع ساعات الأولى من انطلاق الكرنفال.
واستناداً إلى التجربة الألمانية، سأطرح عدداً من الأسئلة حول المقيمين في دول الخليج العربي، لماذا لا نستفيد من هذا التنوع البشري والثقافي؟ لماذا لا تقام كرنفالات ثقافية وترفيهية مشابهة لتلك التي تقام في ألمانيا، خصوصاً أن نسبة تعداد الأجانب في الخليج إلى عدد السكان الأصليين، تفوق نسبة الأجانب قياساً بعدد سكانها البالغ 80 مليوناً (39 مليوناً من الرجال و41 مليوناً من النساء).
كما أن لغة الاحتفال كما عبروا عنها تؤلف بين الأجانب والمجتمع الألماني في كرنفال يقام سنوياً لتخفيف أثر الغربة على الجاليات، ويزرع بذرة التلاحم والتعايش بينها وبين المجتمعات الخليجية، كما أن ذلك التلاحم والتقارب له أبعاد أمنية تتعلق بفهم طبيعة حياة هؤلاء الأجانب ويمنحهم القدرة على التبادل والتعايش وفق رؤية واضحة، فضلاً عن التعرف على عاداتهم وتقاليدهم وموروثهم الشعبي، وهذا الاختلاف والتمايز والتنوع يمنح الحياة الاجتماعية رونقاً أجمل ويكسر رتم الحياة التقليدية، فحبذا لو اقتبسنا من التجربة الألمانية نافذة نطل من خلالها على ثقافة الآخر، وأن تسند تلك المهمة لإحدى الهيئات المتخصصة وتمنح مزيداً من الاهتمام والتنظيم.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة