مجزرة نيوزيلندا وتداعياتها الخطرة

مجزرة نيوزيلندا وتداعياتها الخطرة

الثلاثاء - 12 رجب 1440 هـ - 19 مارس 2019 مـ رقم العدد [14721]
حمد الماجد
استاذ في جامعة الإمام بالرّياض، وعضو الجمعيّة الوطنيّة لحقوق الإنسان وعضو مجلس إدارة مركز الملك عبدالله العالمي لحوار الأديان والحضارات - فيينا
المجزرة الإرهابية التي ارتُكبت ضد مسلمي مدينة «كرايستشيرش» النيوزيلندية أثبتت عدداً من الحقائق المخيفة؛ منها أن مساحة اليمين الديني العنصري المتشدد في الدول الغربية في اتساع وإن كانت هي الأصغر، وأن مساحة الاعتدال في الغرب في تقلص وإن كانت هي الأكبر، وأثبتت هذا التنامي المطرد لهذه الفئة المتطرفة التي تعمل باحترافية للسيطرة على المساحات السياسية والإعلامية والتعليمية والاجتماعية، وأثبتت أن هذا اليمين المتطرف يتشكل كأي حركة عنف متشددة، إذ له أذرع إعلامية وبرلمانية وسياسية وعسكرية.
لقد كان العالم في السبعينات والثمانينات وحتى التسعينات ينظر إلى عناصر اليمين الديني المتشدد بازدراء واحتقار، وأن هؤلاء عبارة عن معتوهين سيلفظهم الشارع، ولكن الحقائق على الأرض أثبتت عكس ذلك، فأصبح لهم ممثلون في البرلمانات الغربية ولهم وزراء ومسؤولون وأكاديميون وإعلاميون وسينمائيون يدعمون طروحاتهم العنصرية المتشددة.
والمقلق أن شعبية اليمين المتشدد تتنامى باطّراد، حتى إنها بدأت تؤثر على الأحزاب التقليدية المعتدلة، فصارت هي الأخرى تتبنى سياسة أكثر تشدداً مع أنظمة الهجرة ومع المؤسسات التي تتبع المسلمين في الدول الغربية، ليس بالضرورة قناعةً بهذا التشدد، ولكن العين على الناخب الذي يرفع أسهمها في السوق السياسية أو يخفضها، فتخاف أن يقضم العنصريون المتشددون من حصتها الانتخابية فتجاريه في بعض طروحاتها وأجندتها، ولعل النتائج الانتخابية الأخيرة في عدد من الدول الغربية أثبتت فعلاً أن الأجدر بالنجاح في الانتخابات البرلمانية، بل وربما الرئاسية، هو الأكثر تشدداً تجاه «الغير» دينياً وعرقياً، والتكتيك المرحلي هو الدفع في هذه الفترة بمرشحين رئاسيين يتعاطفون أو يتقاطعون معهم، والغاية في الأخير أن يتولى السلطة السياسية العليا متشدد منهم، وهذا بالتحديد ما حذر منه الصديق فيصل بن عبد الرحمن بن معمر في مقاله المهم في هذه الصحيفة الأحد الماضي، والذي تحدث فيه عن جريمة نيوزيلندا الإرهابية وقال ما مختصره «بأننا ‏مقبلون على إرهاب خطر مسنود من شخصيات سياسية منتخبة يوجهها اليمين المتشدد، ولو وصلت للحكم، فلا تستبعد إبادات جماعية، وقد يبلغ الخطر ذروته عندما تكون القرارات النووية بيد قيادات يمينية متطرفة».
هذه المتغيرات الخطرة تُحتم على حكومات الدول الإسلامية، ومعها قيادات الأقليات المسلمة، العمل على سن القوانين ضد «الإسلاموفوبيا»، وكذلك الضغط دولياً لسن تشريعات تجرّمه، تماماً كما نجح اليهود في سن قوانين قوية وعقوبات متشددة ضد «أعداء السامية»، وإلا فإن وتيرة العنف الديني والعرقي ضد المسلمين في الدول الغربية سترتفع وتيرتها ودرجة خطورتها، لأن قوى اليمين المتطرف غيَّرت تكتيكاتها مؤخراً من الهجمات التنظيرية الكلامية إلى الهجمات الفعلية الدموية، فقد أدركت أن التعويل على مسار اللوبيات السياسية والإعلامية والتربوية للحد من تنامي النسب السكانية للمسلمين ومؤسساتهم لن يثمر نتائج قوية ملموسة، فقررت هذه العناصر اليمينية الإرهابية أن تأخذ بزمام المبادرة بتنظيم أعمال إرهابية دموية ممنهجة تستهدف الأقليات المسلمة في أعز ما تملك (المساجد) لتخويف مَن ينوي الهجرة والضغط على المهاجرين للعودة إلى بلدانهم، وما جرى على الثرى النيوزيلندي من قتل 50 مسلماً يعد باكورة لأعمال إرهابية قادمة تتلوها أعمال إرهابية انتقامية مضادة، في دوامة دموية خطرة ليس على العالم الغربي فحسب بل على السلم العالمي، ما لم يتكاتف المجتمع الدولي لوقف تناميها ثم القضاء عليها.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة