في نيوزيلندا... للإرهاب وجه آخر

في نيوزيلندا... للإرهاب وجه آخر

السبت - 9 رجب 1440 هـ - 16 مارس 2019 مـ رقم العدد [14718]
د. جبريل العبيدي
كاتب وباحث ليبي
التوصيف الحقيقي لما حدث في نيوزيلندا، هو إرهاب متطرف ضد مصلين، كانوا يصلون، تسبب بمقتل العشرات، 49 قتيلاً في مذبحة داخل مسجدين بنيوزيلندا، وهذا أيضاً ما ذهب إليه رئيس الوزراء الأسترالي بقوله: «إن منفذ الهجوم إرهابي يميني متطرف» فمنفذ الهجوم الإرهابي هو الأسترالي برينتون تارانت، الذي خطط لهجومه بشكل محكم، وارتدى الزي العسكري ودرعاً واقية، وانطلق على أنغام الموسيقى، وقد قام بعمل بث مباشر للعملية عبر «فيسبوك» وهو يقوم بفتح النار على المصلين العُزّل بالقول: «دعونا نبدأ هذه الحفلة» ليقتل العشرات بدم بارد بعد أن سبق فعلته بنشر بيان طويل من 87 صفحة، كتب فيه مبررات فعلته بالقول: «وهذا الوطن الذي كان للرجال البيض سيظل كذلك ولن يستطيعوا يوماً استبدال شعبنا»، وقال أيضاً «لأنتقم لمئات آلاف القتلى الذين سقطوا بسبب الغزاة في الأراضي الأوروبية على مدى التاريخ... ولأنتقم لآلاف المستعبدين من الأوروبيين الذين أخذوا من أراضيهم ليستعبدهم المسلمون».
المسلمون اليوم في نيوزيلندا قلقون وأصبح هاجس الأمن مسيطراً عليهم، بعد مجزرة قتل جماعي، وصفها مرتكبها بكل وقاحة، بأنها «حفلة»، فمجزرة مسجدَي نيوزيلندا ليست حادثة فردية، فقد سبقتها مجزرة النرويج، التي قُتل فيها أكثر من 90 معظمهم شباب، وجميعها حالات عنف، بسبب حالة التشبع بخطاب الكراهية، والعنصرية والاستعلاء، الذي تغذيه أحزاب اليمين، وبخاصة أن القاتل برينتون تارانت وجماعته برر فعلته «بسمو» لونه الأبيض وحضارته وموطنه، ضد من وصفهم بغير البيض والغزاة.
ما حدث في نيوزيلندا لا يمكن تفسيره أو تحليله بمعزل عن تسلل اليمين المتطرف للعملية الديمقراطية، واستغلال السلطة واللعب على إذكاء النعرات القومية والشعبوية في ظل حالة تفشي خطاب الكراهية، تحت شعارات، منها ما سمي «صراع الحضارات»، لاستهداف العرب والمسلمين.
تنامي وانتشار وازدياد أعداد اليمين المتطرف، الذي تمخض عن إعلان أحزاب من اليمين المتطرف الشعبوية في دول أوروبية في مدينة أنفير البلجيكية عام 2008عن تأسيس منظمة جديدة لمحاربة ما سمته «الأسلمة» لأوروبا، يعتبر حالة عداء علني تعلنه وتجاهر به جماعة راديكالية بموافقة حكومية نرى نتائجها اليوم في هجوم إرهابي على مسجدين في نيوزيلندا.
اتساع رقعة اليمين المتطرف في أوروبا، مع صعود التيارات السياسية اليمينية، وبخاصة بعد ظهور الحزب الذي أسسه جان ماري لوبان، والذي احتل المرتبة الثانية في الانتخابات الفرنسية، وقد ترك زعامته لابنته مارين لوبان، هدفهم جميعاً العداء للأجانب، وبخاصة المسلمون.
انتشار اليمين المتطرف في أوروبا وورثة الفاشيين والنازيين أصحاب نظرية الجنس الآري من هتلر وموسيليني وفرانكو، سيكون كارثياً ليس على مسلمي أوروبا فحسب، بل ستكون ويلاته على الأوروبيين المسيحيين أنفسهم، فهؤلاء الراديكاليون الذين يريدون إبعاد المسلمين، سينتقلون إلى من لا يقبل بنسختهم المتطرفة من المسيحيين، تماماً كما تفعل «القاعدة» و«داعش» فيما تسميه «فقه» الأولويات priorities»»، وبالتالي أولويات اليمين المتطرف في أوروبا لا تختلف عن «داعش» إلا في اسم الضحية، وأحياناً لا تختلف، فـ«داعش» سبق أن قتل محمد وديفيد وبطرس، وكذلك فعل اليمين المتطرف.
منهج وأفعال اليمين المتطرف في أوروبا، يؤكدان أن الإرهاب لا وطن ولا دين له، بل وسيدفع للرد بالعنف المضاد المتبادل لتكبر دائرة العنف، ويعطي الفرصة لـ«داعش» وأخواته للرد؛ ولهذا لا ينفع الصمت شيئاً، ولن يجدي التستر أو تجاهل لوجود وتنامي اليمين المتطرف في أوروبا، ولا بد من معالجة حقيقية ومجتمعية تتضمن سياسات حقيقية تشمل الاندماج والتعايش؛ فالتعايش هو محور الحل، كما جاء في جوهر الكتب المقدسة، ففي الإسلام دعوات كثيرة للتعايش في قوله تعالى «وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالتي هِي أَحْسَنُ» وفي قول الرسول محمد «مَن قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة»، وفي قول المسيح «لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر أيضاً».

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة