شريا أوفيد
بالاتفاق مع «بلومبيرغ»
TT

زوكربيرغ ومستقبل «فيسبوك»

اسمحوا لي أن أبدأ بالاعتراف بأنني قد مللت بيانات مارك زوكربيرغ.
مع كل مرة تتسلط فيها الأضواء لتظهر أوجه القبح في شركة «فيسبوك»، يسارع زوكربيرغ للإدلاء ببيانات عن مهام عمل شركته. فمثلاً الأربعاء الماضي أعلن الرئيس التنفيذي للشركة أن مستقبل الشركة كذا وكذا... في إشارة إلى أنها ستكون قريبة الشبه بتطبيق «سناب شات» للرسائل المصورة. أشار زوكربيرغ إلى أن «فيسبوك» سيضمن خصوصية المحادثات بين المجموعات الصغيرة والتعليقات المؤقتة، وأن الموقع سيستخدم التكنولوجيا التي تضمن عدم إطلاع أي طرف ثالث، أو حتى إدارة «فيسبوك» نفسها، على المحتوى الذي يتبادله الناس من خلال موقع التواصل الاجتماعي، أو حتى من خلال تطبيقات «إنستغرام» أو «واتساب» أو «ماسنجر» التي تمتلكها الشركة أيضاً.
الحقيقة أن زوكربيرغ يتحدث، ومنذ فترة، عما وصفه بأنه ما يفضله الناس، وعن المحادثات الخاصة، والتفاعل عبر الإنترنت، أكثر مما يتحدث عما ينشر علانية، وبصفة دائمة، وهي السمة التي جعلت من «فيسبوك» أحد أكثر وسائل التواصل الاجتماعي الرقمي انتشاراً في التاريخ. فكلماته التي اطلعنا عليها الأربعاء الماضي، والتي بلغ عددها 3200 كلمة كانت أكثر إلحاحاً، وجاءت مدروسة أكثر مما قاله من قبل، وقد راعى أن تثير كلماته المنشورة نقاشات حول نهج الخصوصية الجديد للموقع.
لكن المشكلة هي أنني لست واثقة مما إذا كان «فيسبوك» فعلاً يغير من سياسته. ورغم ذلك أود الإشادة هنا بإدراك زوكربيرغ - حتى وإن جاء متأخراً لعامين وربما خمسة أعوام - للجوانب السلبية في أداة يفترض أنها باتت تربط العالم، وبالتالي هي أداة لنشر أكثر الأصوات غرابةً واستفزازاً بعيداً إلى آخر العالم. لكن دعونا نتوقف قليلاً لنتأمل بيان زوكربيرغ بشأن مهام عمل شركته، لنرى إلى أي مدى يمكن أن يتغير «فيسبوك»، إن كان هناك تغيير. فدعوة المدير التنفيذي للشركة قد تكون بداية التغيير الحقيقي، أو ربما كانت مجرد كلام.
لم يوضح بيان زوكربيرغ كيفية تغيير أسلوب عمل الشركة، أم أن الحال سينتهي بها بجمع بيانات شخصية، سواء أكثر أم أقل عن ذي قبل لتغذي نظامها الإعلاني. هناك أيضاً جوانب سلبية متوقعة جراء تقليص انتشار «فيسبوك»، منها تقليص مسؤولية الشركة على الرقابة على أحاديث الكراهية ومحاولات الاستقطاب أو غيرها من الأخطاء.
هنا لا بد أن نشير إلى أهمية المحتوى، حيث يعمل «فيسبوك» حالياً على مشروع معقد يهدف إلى دمج مؤسسات التكنولوجيا المتمثلة في «فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب» و«ماسنجر». ومن ضمن أهداف هذا المشروع، حسب ما دونه زوكربيرغ في بيانه الأخير، السماح لشخص ما يستخدم، على سبيل المثال، «إنستغرام»، بإرسال رسالة رقمية إلى شخص باستخدام تطبيق «واتساب».
لو أنني شردت بذهني قليلاً سأتخيل بعض المواقف التي قد يكون فيها ذلك مفيداً. لكن ما لم يذكره زوكربيرغ هنا هو أن مشروع «قابلية التشغيل البيني» طويل المدى هذا يمثل الخطيئة الكبرى وراء كل فضيحة ألمت بـ«فيسبوك»، ألا وهي تكديس البيانات الخاصة بكل مستخدم للإنترنت.
لو أن الشركة اتجهت إلى قاعدة مشتركة لتطبيقاتها، فإن ذلك نظرياً قد يمنح «فيسبوك» قاعدة بيانات عن الناس أكبر وأنظف تتعلق بسلوكهم عبر الإنترنت، وفي العالم الحقيقي لاستهدافهم بإعلاناتها. ولو أن «فيسبوك» اتجه إلى دمج منصاته عبر الإنترنت وتشفيرها بهدف التشويش على نقل المعلومات بينها، فإن ذلك من شأنه أن يحد من البيانات التي يجمعها «فيسبوك»، وهي الاحتمالية التي لم يتطرق لها زوكربيرغ.
لا أستطيع منع نفسي من التفكير هنا في أن زوكربيرغ وحديثه الذكي عن المزيد من الخصوصية والتشويش على التواصل من خلال «فيسبوك» وغيره من التطبيقات، ليس سوى محاولة لتجميل لعبة السلطة التي يلعبها «فيسبوك» لتعزيز سطوته لجمع بيانات مستخدميه بدمج كل تلك التطبيقات في بوتقة واحدة.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»