وداعاً مهندس الجَمال

وداعاً مهندس الجَمال

الأحد - 4 رجب 1440 هـ - 10 مارس 2019 مـ رقم العدد [14712]
حسين شبكشي
اعلاميّ ورجل اعمال سعوديّ وعضو مجلس ادارة شركة شبكشي للتّنميّة والتّجارة وعضو مجلس ادارة مؤسّسة عُكاظ للصّحافة والنّشر
هناك نماذج عديدة لأسماء أمناء مدن أحدثوا نقلة نوعية فيها، وكتبوا أسماءهم في كتب التاريخ. نيويورك عرفت أدكوش ومايكل بلومبيرغ، وشيكاغو لديها دايلي، ولندن مؤخراً عرفت بوريس جونسون، وعربياً عمان عرفت عبد الرؤوف الروابدة، والإسكندرية تستشهد بعبد السلام محجوب، وفي السعودية عرفت جدة محمد سعيد فارسي، الذي رحل عن دنيانا منذ أيام قليلة.
شهدت حقبة محمد سعيد فارسي، نقلة نوعية بكل ما تعنيه الكلمة لعروس البحر الأحمر وبوابة الحرمين الشريفين، المدينة التي يبلغ عمرها آلاف السنين انتقلت إلى الحداثة مع محمد سعيد فارسي.
ينتمي محمد سعيد فارسي إلى أسرة تجارية عريقة فيها «مشيخة» الصاغة والمجوهرات لأكثر من مائة عام في مكة المكرمة. درس الهندسة في عروس المتوسط بالإسكندرية وتأثر بها. وعندما تسلم منصب أمين جدة، أراد أن يدمج حبه للفنون مع تخصصه الهندسي فكان عقد الجَمال الذي صاغه.
صالَح محمد سعيد فارسي جدة وسكانها مع البحر، لأنه كان يصف جدة ويقول جدة متخاصمة مع البحر وتدير ظهرها له. فأطلق الكورنيش كمشروع حضاري وجمالي ليكون متنفساً لسكانها وزوارها، وزيَّنه بمجسمات وأعمال فنية لأهم الفنانين من حول العالم ليكون عملياً معرضاً مفتوحاً وعلى مدار السنة في الهواء الطلق. وضع خطة طموحة لجعل مدينة جدة «أجمل مدينة في العالم العربي». حرص على شراكة القطاع الخاص معه، فساهم المقاولون وشركات الإنشاءات في إنجاز المشاريع بالشكل اللائق وبالمواصفات السليمة، بينما كان هو في المقابل يزيل العثرات الروتينية والبيروقراطية من طريقهم بسبب قوته في اتخاذ القرار وتحمله مسؤولية القرارات كافة. ولعل من أجرأ القرارات التي أقدم عليها، كان قرار ردم البحر، وهو بذلك تمكن من إضافة مساحات جمالية منحت قيمة مضافة للقطاع السكني والتجاري والفندقي في جدة.
كان لمحمد سعيد فارسي نهج إداري سابق لزمانه، وحوّل أمانة جدة إلى أهم جهاز رسمي في المدينة وقتها، تفانى العاملون فيها في الإنتاجية والعطاء والإنجاز مما جعلها مفرخة إدارية لأجهزة إدارية أخرى ومختلفة. كان منصتاً جيداً للأفكار والاقتراحات وأشرك في مشاريعه مجموعة لافتة ومهمة من المهندسين السعوديين الشباب معتمداً عليهم في سن مبكرة جداً، ولكنه راهن عليهم وكسب الرهان. كنت أحياناً كثيرة أحضر لقاء الصباح في منزله والذي يبدأ به «أبو هاني» يومه على إفطار الفول والتميس والبيض مع بعض المسؤولين والمعنيين ليكون انطلاقة يومه والقرارات التي سيتم اتخاذها.
كان رجلاً قوياً وواثقاً، عشق عمله ولم يخشَ أو يغار من أن يدعم قيادات أخرى حوله فكُتب له النجاح والتوفيق لأنه كان مايسترو متمكناً لفرقة ناجحة، ولم يكن عمله فردياً أبداً ولم يدّعِ ذلك قط.
جدة تودّع عاشقها الذي نقلها نقلة لا يزال يترحم على أيامها كل من أدركه وعاش الحقبة الذهبية لها، ولعل الوصف الجميل الذي من الممكن وصف فترته به، جدة عروس البحر الأحمر ارتدت الفستان الأبيض في فترة محمد سعيد فارسي.
رحم الله محمد سعيد فارسي رحمة واسعة وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان. وداعاً يا مهندس الجَمال.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة