من المؤكد أن الجدل المثار في الفترة الأخيرة حول ونستون تشرشل - مع وصف السياسي المنتمي لحزب العمال جون مكدونيل، أكثرَ رؤساء وزراء بريطانيا تبجيلاً وتوقيراً على المستوى العام، بأنه «وغد»، ما أثار توبيخاً من قبل حفيد الأخير - سيصيب الكثير من الهنود بالدهشة.
ولا تنبع هذه الدهشة من أن الوصف غير لائق، وإنما لأن مكدونيل أطلق هذا الوصف بناءً على حادثة مقتل عامل مناجم واحد من ويلز عام 1910.
وقد قال ونستون نفسه ذات مرة: «التاريخ سيحكم عليَّ برفق لأنني أتعمد كتابته بنفسي». وبالفعل، وضع تشرشل عدة مجلدات عن الحرب العالمية الثانية، وفاز بجائزة «نوبل للآداب» عن أعمال أدبية كتبها لخدمة مصالحه ورؤيته الخاصة.
وللأسف، هناك الكثير من هذه الحقائق المخجلة، فإنه عندما كان تشرشل وزيراً للداخلية عام 1910، بعث كتائب من الشرطة من لندن وأمرهم بمهاجمة عمال مناجم مضربين عن العمل في تونيباندي في جنوب ويلز. وأسفر ذلك عن مقتل عامل وإصابة ما يقرب من 600 عامل من المضربين وكذلك من أفراد الشرطة. ومن غير المحتمل أن تكون تلك الحادثة قد أثرت كثيراً في ضمير تشرشل. في وقت لاحق، تولى تشرشل بنفسه القيادة العملية لقوات الشرطة أثناء حصار لمجموعة من الفوضويين اللاتفيين في ستيبني، وقرر حرقهم حتى الموت داخل أحد المنازل التي حوصروا داخلها.
بعد ذلك بفترة قصيرة، أثناء القتال من أجل الاستقلال الآيرلندي بين عامي 1918 و1923، كان تشرشل واحداً من المسؤولين البريطانيين القلائل الذين دعموا فكرة قصف المتظاهرين الآيرلنديين جواً، واستخدام قنابل ومدافع آلية لتفريقهم. وعندما كان وزيراً لشؤون المستعمرات، نفذ هذا التهديد بالفعل في العراق، وأصدر أوامره بقصف العراق على نطاق واسع عام 1921، مع تعرض قرية كاملة للمحو في غضون 45 دقيقة. وعندما اعترض بعض المسؤولين البريطانيين على مقترحه باستخدام «الغاز ضد أبناء البلاد»، وصف تشرشل اعتراضاتهم بغير المنطقية، وأكد تشرشل أن الغاز السام أكثر إنسانية من التصفية المباشرة.
يسلط ذلك الضوء على التناقض الجوهري في الآراء حول تشرشل. في بريطانيا والكثير من أرجاء الغرب، يجري النظر إليه باعتباره المخلص والمنقذ لـ«الديمقراطية والحرية وكل ما هو خير في الحضارة الغربية»، مثلما وصفه أحد المراسلين الصحافيين المتحمسين له. في الواقع، سجله على هذا الصعيد يبدو متناقضاً للغاية. على مدار عشرينيات ومطلع ثلاثينيات القرن الماضي، كان تشرشل يعرب علانية عن إعجابه بموسوليني، وأعلن أن الحركة الفاشية الإيطالية «قدمت خدمة للعالم بأسره». وفي عام 1927 سافر إلى روما وأعرب عن إعجابه بالزعيم الفاشستي، وأعلن أنه لم يكن بإمكانه «سوى الشعور بالانبهار، ملثما الحال مع الكثيرين، تجاه أسلوب سنيور موسوليني اللطيف وهدوئه رغم الكثير من الأعباء والأخطار المحيطة».
أما أهم ما اتسم به تشرشل فهو كونه إمبريالياً من الطراز الأول، وقد أبدى دوماً عزمه على الإبقاء على الإمبراطورية البريطانية، ليس فقط من أجل إنزال الهزيمة بالنازيين، وإنما لأسباب كثيرة أخرى. على سبيل المثال، خلال بداية عمله عندما كان ضابطاً شاباً عند الحدود الشمالية الغربية للهند، أعلن تشرشل أنه يتعين على البشتون الإقرار «بسمو العرق البريطاني»، وأن من يرفضون ذلك «سيقتلون دونما تردد». وكتب بسعادة كيف أنه وزملاءه عمدوا «على نحو ممنهج من قرية لأخرى إلى حرق المنازل وردم الآبار وتدمير الأبراج وقطع الأشجار وحرق المحاصيل وتدمير المخازن كإجراءات عقابية».
في كينيا، أصدر تشرشل أوامره أو على الأقل تواطأ مع سياسات تتضمن التشريد المتعمد للسكان المحليين داخل الأراضي الخصبة، بهدف إفساح الطريق أمام مستوطنين بيض استعماريين، وكذلك سجن أكثر عن 150 ألف رجل وامرأة وطفل داخل معسكرات احتجاز. واستخدمت السلطات البريطانية الاغتصاب وإطفاء السجائر بمناطق حساسة والصدمات الكهربية في تعذيب الكينيين في ظل حكم تشرشل.
مع هذا، كان الهنود ضحاياه الأساسيين، الذين سبق ووصفهم بأنهم «شعب همجي يتبع ديناً همجياً»، وكذلك وصفهم بأنهم «عرق قذر». في الواقع، كان تشرشل عنصرياً على نحو صادم، ولم يكن ينظر إلى أبناء أي عرق ملون باعتبار أنه تحق لهم أي من الحقوق المشروعة له هو شخصياً.
وبفضل قرارات اتخذها تشرشل شخصياً، مات أكثر عن 3 ملايين بنغالي بسبب الجوع خلال المجاعة التي ضربت المنطقة عام 1943، وقد أمر تشرشل عن عمد بتحويل مسار شحنات الغذاء بعيداً عن المدنيين الهنود الذين يتضورون جوعاً وتوجيهها إلى الجنود البريطانيين، بل وسعى من خلالها لتعزيز المخزونات الأوروبية من الطعام. وعندما جرى تذكيره بمعاناة الهنود وتضورهم جوعاً، أجاب بأن المجاعة نتاج صنع أيدي الهنود بسبب «تناسلهم مثل الأرانب». وقد تساءل ذات مرة بأنه إذا كانت المعاناة بهذه القسوة: «فلماذا لم يمت غاندي بعد؟».
من المهم هنا تذكر أن هؤلاء لم يكونوا أعداء له في حرب. وقد تحدث عن اليابانيين قائلاً: «سنمحوهم من على وجه الأرض، فرداً فرداً من رجال ونساء وأطفال». ولا يمكن لأحد تبرير مواقف تشرشل بأنها كانت تعكس زمنه، فقد أقر وزير الدولة لشؤون الحرب تحت قيادته، ليو أميري، بأنه لا يجد اختلافاً يذكر بين آراء تشرشل وهتلر.
- بالاتفاق مع «بلومبرغ»
8:50 دقيقه
TT
تشرشل من منظور آخر
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
