شرق الفرات: حل سياسي أو أكثر من إدارة ذاتية

شرق الفرات: حل سياسي أو أكثر من إدارة ذاتية

الخميس - 23 جمادى الآخرة 1440 هـ - 28 فبراير 2019 مـ رقم العدد [14702]
حنا صالح
كاتب لبناني

على مدى أكثر من شهرين انشغل العالم بتغريدة الرئيس ترمب عن الانسحاب الأميركي الشامل من سوريا، وانشغل المتدخلون في الحرب على الشعب السوري، كلٌ على حدة، بكيفية الاستفادة من ملء الفراغ. الروسي أراد بسط سيطرة نظام الأسد لتضمن شركاته إعادة ضخ النفط والغاز وزيادة إمساكه بالأوراق السورية، وباع الحركة الكردية كلاماً معسولاً. الإيراني دفع بميليشيات إضافية إلى غرب البوكمال ودير الزور؛ فاللحظة اقتربت لإقامة الجسر البري لربط طهران بالمتوسط، والباقي تفاصيل. التركي الذاهب إلى انتخابات بلدية مقلقة وجد مشروعه بـ«المنطقة الآمنة» قاب قوسين أو أدنى من التحقق. حتى النظام السوري المُبعد عن أي بحث بمصير سوريا استخف باقتراح النقاط العشر المقدم من «قوات سوريا الديمقراطية»، وأظهر أنه لم يغادر تعنته المعروف المستند إلى التحريض الإيراني والتشجيع الروسي فخسر ورقة مهمة.
العروض التركية وتذاكي إردوغان الذي اقترب من موسكو بقدر ابتعاده عن حلف الأطلسي، أقلقت الأميركيين وبدت مفضوحة مناوراته لاستدراج العروض. بدا هاجس أنقرة المحوري، وهي التي كان لها اليد الطولى في رعاية صعود «داعش»، الرغبة في سحق الوضع الكردي واستثمار ذلك انتخابياً، في ضوء التعبئة على فرضية وجود خطر كردي مستقبلي على الأمن القومي التركي... والاستثمار في إرهابيي «داعش» و«النصرة» من إدلب إلى شرق الفرات، لتأبيد الاحتلال التركي بواجهة من «الإخوان المسلمين» وشِلل الإرهاب التي تناسلت من تحت عباءتهم؛ فتكون لأنقرة الحصة الوازنة في «التسوية» السورية والهيمنة.
لم يتأخر الوقت على واشنطن، التي لن تبقي على وجودها العسكري في سوريا إلى ما لا نهاية، حتى تيقنت أن نجاح العقوبات على النظام الإيراني وميليشيات قاسم سليماني، تفترض رؤيا مختلفة لـ«المنطقة الآمنة» كأن تكون منطقة عازلة دأب قادة البنتاغون على الترويج لها، ولا سيما قائد المنطقة الوسطى الجنرال جوزيف فوتيل كما الجنرال بول لاكاميرا. رؤية سداها ولحمتها أن الخروج دون ترتيبات مضمونة مع الحلفاء الأوروبيين شيك على بياض يدعم محاولات طهران الالتفاف على العقوبات، وربما هدية على طبقٍ من فضة لإرهابيي «داعش»، سواء أكانوا وحدات نائمة أم ذئاباً منفردة لأن يستعيدوا حالة هجومية من جديد؛ لأن «وحدات حماية الشعب» القوة الرئيسية في «قوات سوريا الديمقراطية» ستكون أولويتها المواجهة الممكنة مع الجيش التركي والمجموعات التابعة له، التي تهدد بتكرار تجربة عفرين، لكن هذه المرة على مستوى أكبر، فتستبيح المدن والبلدات وتدمر وتنهب وتحرق وتقتل وتغتصب وتهجّر، وهذه مخاوف رددها الأكراد في محادثات أجروها في كل العواصم مرفقة بأعمال موثقة عن استباحة المحتل لعفرين!!
تعديل جذري أعلنته واشنطن تمثل بقرار الإبقاء على 400 ضابط وجندي، منهم 200 في قاعدة التنف قرب المثلث السوري - الأردني – العراقي، والبقية في شرق الفرات. رجح السيناتور ليندسي غراهام أن ينضم إليهم نحو ألف جندي أوروبي، قال البنتاغون إنهم القوة التي «ستنشئ منطقة آمنة تخلو من أي قوات تركية أو من قوات المعارضة التي تدعمها تركيا»، وأفضل تشبيه لهذه القوة هي أنها ستكون قوة فصل تضمن الحدود بين «قوات سوريا الديمقراطية» والجيش التركي، وستتمتع هذه المنطقة بحماية جوية أكيدة؛ ما يثبت الاستقرار ولا يضعف النشاط الأمني الكبير المطلوب من «قسد» لتعقب وكشف خلايا الإرهاب النائمة؛ لأن هذا العمل هو ما سيمنع ظهور «داعش» مجدداً.
الجديد الأميركي بشأن الوضع في شرق الفرات أزعج المتدخلين فراح وزير الخارجية الروسي لافروف يتحدث عن احتلال أميركي دائم للشمال والشرق السوريين، قبل أن يعرض نشر الشرطة الروسية في المنطقة الآمنة، وهو عرض تأخر كثيراً، ولا يدخل في حساب الأميركيين؛ لأن الوضع تبدل مع التوجه لإيجاد قوة سلامٍ دولية، وصمتت الأبواق الإيرانية التي وصفت القرار الأميركي الأولي بالانسحاب بأنه أشبه بالهزيمة، وعاد إردوغان الذي لم ينجح في تسويق رؤيته للزعم بحقوقٍ تركية في نشر قواتها، ومن ثم التلويح بالتدخل استناداً إلى اتفاقية أضنة وإلى التهديد بخطوات منفردة وهو يرى انكسار أحلام هيمنة العثمانية الجديدة، فراح يبتز أوروبا بتسونامي لاجئين؛ لأنه إذا لم تُنشأ هذه المنطقة داخل سوريا وبإشراف تركيا ودعم مادي ولوجيستي أوروبي بذريعة إعادة ملايين السوريين من تركيا، فـ«إن المشكلة ستمتد إلى أبواب أوروبا إن عاجلاً أو آجلاً»!! هذا مع العلم أن تركيا التي تعلن أن حل مشكلة اللاجئين تكون بالإيواء في الشمال السوري، لم تنفك تستغل ورقة اللجوء لابتزاز العالم ولم تسمح ولو لنسبة ضئيلة منهم بالعودة إلى منطقة «درع الفرات» التي يحتلها الجيش السوري وتزيد مساحتها على خمسة آلاف كلم مربع، أي ما يعادل نصف مساحة لبنان!!
من الطبيعي الآن أن يؤدي الوضع المستجد، مع بدء التحضير لنقاط تمركزٍ أساسية في رأس العين، تل أبيض، منبج، القامشلي وعين العرب - كوباني، إلى تغيير مهم في طبيعة عمل قوات التحالف الدولي بعد انتهاء المواجهات المباشرة مع إرهابيي «داعش». انتهت مرحلة مواكبة «قوات سوريا الديمقراطية» في العمليات لتبدأ مرحلة المشاركة في تكريس الأمن واستتبابه، وحماية المنطقة التي تزيد مساحتها على ثلث مساحة سوريا. لكن ما يثير الاهتمام يكمن في معرفة أبعاد الجهود الأميركية والدولية لتوسيع قاعدة الإدارة الذاتية في المنطقة عبر ما يدور من مفاوضات لإشراك قبائل وجهات عربية ما زالت خارجها، وأساساً السعي لإنجاز خطوات حثيثة على طريق المصالحة الكردية الصعبة، بين حزب العمال الكردستاني القوة الرئيسية على الأرض والمجلس الوطني الكردي، الذي تتبع له فصائل البيشمركة السورية (نحو 6 آلاف) المتمركزة في كردستان العراق، وربما كان نجاح هذا المسعى يتطلب جهداً من سلطات كردستان العراق، ولا سيما مسعود بارزاني. هذا الوضع من شأنه أن يفتح الباب على بدء ورشة إعمار في المنطقة التي شهدت أوسع المواجهات مع «داعش»، ويحكى عن وعود أميركية وأوروبية بإعادة الأعمار والتنمية.
المنحى الأميركي الجديد سيؤدي إلى ضمان وضع شرق الفرات كما كان؛ ما سيقطع الطريق على محاولة روسيا السيطرة على المنطقة عبر جيش النظام السوري، كما يخرج من المعادلة تركيا وأهداف التوسع التركي على حساب سوريا والسوريين، وهذا الوضع سيشكل ورقة الضغط على الجانب الروسي الذي لم يدفع بشكل جدي مسار التسوية، وما زالت موسكو تتغاضى عن العراقيل الإيرانية وتغطي عراقيل النظام السوري وتنقل اشتراطاته، فإما يشكل هذا الوضع حافزاً للضغط على الروس وعلى دمشق للخروج من المنطقة الرمادية وبدء المفاوضات لتحقيق تسوية سياسية، وإما يأخذ الوضع منحى آخر أقل بالتأكيد من الحكم الذاتي في كردستان العراق، وأكثر من مستوى الإدارة الذاتية الحالية التي في ظلها بدأ للمرة الأولى في سوريا اعتماد مناهج تدريس باللغة الكردية، وإدارة أعمال اقتصادية تتسع أفقياً وعمودياً، ولا علاج تستعيد معه سوريا وحدة حقيقية إلا من خلال حلٍ يرضي كل السوريين عبر مسار جنيف، قاعدته تسوية مستدامة، وخروج القوى الأجنبية من سوريا، وإنهاء الأطماع المزدوجة لتركيا وإيران.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة