«تأجيل» الحدس!

«تأجيل» الحدس!

الأربعاء - 7 جمادى الآخرة 1440 هـ - 13 فبراير 2019 مـ رقم العدد [14687]
محمّد النغيمش
كاتب كويتي

عندما أدركها الوقت، سألت زميلتُنا المتألقة مينا العريبي بذكاء الحائز جائزة نوبل في علم النفس الاقتصادي دانيال كانمان: لو كانت لديك رسالة واحدة تود إيصالها للناس من أبحاثك وكتبك في اتخاذ القرارات، فما هي تلك الرسالة؟ فقال من دون تردد: سأطلب منهم ألا يتسرعوا بالاندفاع نحو حدسهم قبل جمع كل الحقائق المتاحة.
هذه الإجابة قد تبدو بديهية، لكنها في غاية العمق لأسباب كثيرة، فقد جبل المرء على بناء قراراته على حدسه، وذلك حينما «تغريه» خبرته، أو نجاحاته، أو إطراءات من حوله أو «تطبيلهم»، فيهوي بمؤسسته وأتباعه في مهاوي الردى. ولذا قال البروفسور دانيال، عالم الاقتصادي السلوكي: الشائع أننا عندما نعين الناس أو القادة، نعتمد على حدسنا، غير أنه من الأجدر حينما نقيم خبرتهم ألا نعتمد فقط على الحدس، بل يجب جمع كل الحقائق الممكنة قبل المضي قدماً في قرار التعاون معهم.
كما أن مسألة التأني في الاندفاع نحو الحدس أمر في غاية الأهمية، وذلك بعد أن تراكمت آلاف الأبحاث الرصينة في علم الاقتصاد السلوكي، التي أظهرت أن الناس في الواقع متسرعين ويندفعون نحو انحيازات إدراكية وعاطفية عند اتخاذ القرارات، الأمر الذي يجعلهم عرضة لأخطاء جمة على الاقتصاد وعلى جيوبهم، منها مثلاً شراء سلع وخدمات لم يكن لها أي داعٍ لأنها تقع في دائرة «الرغبة»، وليس «الحاجة الملحة». وفي أحيان كثيرة، لا ترقى إلى الرغبة الحقيقة، بل هي مجرد عاطفة عابرة دفعتهم نحو القرار، وهو ما شرحه العالم ريتشارد ثالير في كتابه الماتع «nudge». وهذا الأمر يختلف اختلافاً كلياً عما درسناه في الجامعات، من أن الاقتصاد التقليدي يفترض أننا أناساً عقلانيين يمكن التنبؤ بقراراتنا. ومن هنا، جاءت فكرة السياسات الاقتصادية التي تتولاها البنوك المركزية لضبط إيقاع حركة الاقتصاد.
والمدرسة السلوكية صارت معتمدة في بريطانيا رسمياً، بعدما دشنت الحكومة وحدة سلوكيات متخصصة تعمل مع الجهات الحكومية للتأكد من شمول السياسات والبرامج على عناصر ذات صلة بالأبعاد النفسية والاجتماعية، لزيادة خيارات المواطنين، وتعزيز رفاهيتهم بقرارات رشيدة. وكذلك فعل الرئيس الأميركي أوباما عام 2015، بالسير على خطى البريطانيين الذين لم يعهد عنهم سهولة الاندفاع لأمور كهذه من دون أساس علمي متين. وكذلك فعلت أكثر من 50 دولة حتى الآن.
إذن، خلاصة القول إن البروفسور كانمان أراد أن يخبرنا، في تلك الندوة التي شهدت جمهوراً غفيراً ممن حضر القمة العالمية للحكومات المتألقة في دبي، أننا كأفراد نتطرف باتجاه قرارات كثيرة تجانب الموضوعية والعقلانية. ولذا لمح إلى أنه من الحكمة التروي قبل اتخاذ قرارات فردية. وقال أيضا العالم كانمان، الذي كان من أوائل من زرعوا بذرة مدرسة الاقتصاد السلوكي، مع زميله آموس تفيرسكي، عام 1979، ما مفاده: «أجل حدسك لحين جمع كل الحقائق».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة