«لا بقومي شرفتُ بل شرفوا بي»!

«لا بقومي شرفتُ بل شرفوا بي»!

الثلاثاء - 22 جمادى الأولى 1440 هـ - 29 يناير 2019 مـ رقم العدد [14672]
تركي الدخيل
كاتب وإعلامي سعودي
لكل منا أفراحه الصغيرة التي يخفيها، حتى عن نفسه، مخافة أن تفسدها الأيام، وقد تصدق الدنيا - التي تطبعت على التقلب - فتجعل فرحك الصغير، أسًى بالغ الأثر فيك!

احتفظت بقصاصة خبر صغير، جعلته من أمنيات التقاعد، أو مكافآت النفس، ولو بعد حين، ففي السادس عشر من شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2008، أي قبل أحدَ عشرَ عاماً من اليوم احتفظت بهذا الخبر: «بدأت سوريا العمل لتحويل منزل أبي الطيب المتنبي في مدينة حلب - شمال سوريا - متحفاً باسمه»، والحقيقة أني وضعت القصاصة في مكان لا يعلمه أحد، ولم أشاركه عزيزاً، ولا صديقاً.

في الخبر أن الباحث محمد قجه، تمكَّن من تحديد منزل يقع خلف خان الوزير، بعد اطلاعه على كتاب تاريخي، كان مفقوداً في الهند: «بغية الطلب في تاريخ حلب». يقول في مقابلة معه: إن الكتاب وصف المنزل بدقة، وطبقاته، وملحقاته، ويصف أيضاً سلوك أبي الطيب وتنقلاته بين بيته وقصر الإمارة. وهناك بعض التغييرات طرأت على الموقع، خلال الـ11 قرناً الماضية، حتى أصبح المنزل مدرسة تابعة للأوقاف، وحول لمتحف مؤقتاً، ووعد العشاق بمتحف يضم الكتابات، عن مالئ الدنيا وشاغل الناس، وقاعدة بيانات، وقاعة محاضرات، وغرفة صغيرة، لتوثيق الفترة الحمدانية في حلب.

ومن المعلوم لكل عاشق للجعفي الكندي، (ولد 303 للهجرة)، ما يوافق القرن الـ9 الميلادي، أنه أقام عشر سنين يجمع النقاد في هذا المنزل، وكتب فيه الكثير من قصائده، لعل أشهرها ميميته، التي نعرفها جميعاً:

واحرّ قلباه ممن قلبه شبمُ

ومن بجسمي وحالي عنده سقمُ

وقد عينت مكان البيت من وقتها، فوجدته قريباً جداً من قلعة حلب، التي تعد من أهم وأقدم القلاع في العالم، فتهللت أساريري، ووعدت نفسي برحلة أقصد فيها منزلاً، لن يصله سوى عاشق متيم، ولست ذاهباً مذهب الأولين بمدح من سكن الديارا، ولكن «الفنون العادية، التي نمارسها كل يوم في المنزل هي أكثر أهمية على الروح، مما قد توحيه بساطتها»، كما يقول توماس مور (1779 - 1852).

الأكثر طرافة أني تساءلت يومها: لماذا استعمل المحرر كلمة منزل، عوضاً عن بيت، أو مسكن، أو دار المتنبي؟

والحقيقة، أن البيت مكان اعتياد الإنسان المبيت به، ولم يكن أبو الطيب، بطبيعة الحال، صاحب عادات، ولا ملازماً لاستقرار، فهو يسبح فوق الريح، ويقطع البيداء، ويصادق الليل - مع اعتذاري لبدر بن عبد المحسن - ولا مقامه مقام الساكن، فكل بيت مسكن، وليس كل مسكن بيتاً.

ولم يقل الباحث عن منزل المتنبي داراً، فشرط الدار البناء، الذي هدم ثلاث مرات، وقد أثبت من سبق محمد قجه، أن منزل أبي الطيب هدم ثلاث مرات، الأهم أن البيت كان يعاد بناؤه في كل مرة بنفس المكان، وبذات الأحجار، التي أخذت منها الشهباء حلب اسمها.

أغرم أبو العلاء المعري بحب المتنبي حتى قال في المواجهة المعروفة في مجلس الشريف الرضي:

لو لم يكن للمتنبي إلا هذا البيت لكفاه شرفاً ونبلاً:

لكِ يا منازلُ في القلوب منازلُ

أقفرتِ أنتِ وهن منكِ أواهلُ

ولا يلام عاقل في حب أبي الطيب، فهذا متأخر شعراء الشام، أدونيس، في مقدمته للشعر العربي: يصف المتنبي بما يليق به: «إنه جمرة الثورة في شعرنا، جمرة تتوهج بلا انطفاء، إنه طوفان بشري من هدير الأعماق، والموت... هو أول شيء يموت في هذا الطوفان».

بمثل دهشة أدونيس، اعترف محمود درويش، أن كل الذي أراد قوله، شعراً، سبقه إليه المتنبي، بنصف بيت: على قلق كأن الريح تحتي!

لقد أدهش أبو الطيب المتقدمين والمتأخرين حين قال:

فما حاولت في أرض مقاما

ولا أزمعت عن أرض زوالا

على قلق كأن الريح تحتي

أوجهها جنوباً أو شمالا

لكأنه اكتشف الطيران، قبل عباس بن فرناس!

في 2015، تكدرت لما قرأت انهيار جزء من سور قلعة حلب الأثرية، ولحق الدمار بيت أبي الطيب، فهربت إلى شعره لأقنع نفسي، أن ذكره لا ينهار، فهو جزء أصيل من موروثنا العربي، وإن كان بحدة سخريته، يهددني:

أشد الهم عندي في سرور

تيقن عنه صاحبه انتقالا

ألفت ترحلي وجعلت أرضي

قُتُودي والغُرَيْرِي الجُلالا

فما حاولت في أرض مقاما

ولا أزمعت عن أرض زوالا

\إنه يصف حاله معنا، معشر القلقين على حجر، ربما اتكأ عليه أبو الطيب، وهو يسبح ببحور فكره، فهو لم يمدح أحداً - كما يقول درويش - بل كان يجدد مملكته الشعرية، في كل معنى جديد يطرقه، وكأني أراه يُسلينا قائلا:

سرورك أن تسر الناس طراً

تعلمهم عليك به الدلالا

إذا سألوا شكرتهم عليه

وإن سكتوا سألتهم السؤالا

من يزور بيته، لا يبحث عن شعره فقط، فلم يكن أعلم بالعربية في زمانه منه، وليت شعري، هل حفظ لنا أهل حلب شيئاً من الكتب، التي كان يطالعها في أوقات فراغه وأيام استراحته، إذ اتفق مجايلوه أنه كان أعلم الناس بغريب اللغة، وحواشيها، ولم يُسأل عن شيء، إلا استشهد بكلام العرب!

قيل إن صاحب «الإيضاح»، و«التكملة»، أبا علي الفارسي، سأل الكندي ذات يوم: كم لنا من الجموع على وزن فعلى؟ فأجاب المتنبي في الحال: جحلى وضربى، فقال أبو علي: طالعت كتب اللغة ثلاث ليال، على أن أجد لهذين الجمعين ثالثاً، فلم أجد!

الحقيقة أن المتنبي لا يمدح غيره، كيف لا وهو الوحيد القائل:

لا بقَوْمي شَرُفْتُ بل شَرُفُوا بي

وَبنَفْسِي فَخَرْتُ لا بجُدودِي

وبهمْ فَخْرُ كلّ مَنْ نَطَقَ الضّاد

وعَوْذُ الجاني وَغَوْثُ الطّريدِ

إنْ أكُنْ مُعجباً فعُجب عَجيبٍ

لمْ يَجدْ فَوقَ نَفْسِهِ من مَزيدِ

أنَا تِرْبُ النّدَى وَرَبُ القَوَافي

وَسِمَامُ العِدَى وغَيظُ الحَسود

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة