دور مراكز الأبحاث في السياسة الخارجية السعودية

دور مراكز الأبحاث في السياسة الخارجية السعودية

الاثنين - 14 جمادى الأولى 1440 هـ - 21 يناير 2019 مـ رقم العدد [14664]
د. صالح بن محمد الخثلان
أستاذ العلوم السياسية بجامعة الملك سعود
هناك على الأقل ثلاثة عناصر تضمن الأداء الدبلوماسي الفعال: 1 - الصفات الشخصية للدبلوماسي وتحديداً المهارات. 2 - الخبرة. 3 - المعرفة. تاريخياً كانت الصفات الشخصية هي المعيار الوحيد في اختيار الدبلوماسي، وكانت أبرز المهارات هي البلاغة وسرعة البديهة وحضور الشخصية، ولا تزال هذه المهارات مهمة، لكنها لم تعد كافية اليوم.
أما الخبرة فتتبيّن أهميتها من خلال المقارنة بين أداء دبلوماسي محترف تمرس في العمل الدبلوماسي لمدة طويلة تدرج خلالها في مناصب السلك الدبلوماسي، وآخر التحق بالسلك الدبلوماسي من خلال جهاز آخر، حيث سنجد التفوق في الأداء دائماً من نصيب الدبلوماسي المحترف.
المعرفة أصبحت اليوم العنصر الأهم، ويقصد بها امتلاك الدبلوماسي الإمكانات الفكرية والقدرات التحليلية التي تمكنه من قراءة الأحداث والتعاطي الذكي مع القضايا الدولية المعقدة. واليوم، وبعد أن تراجع دور الدبلوماسي في توفير المعلومة بسبب انتشار وسائل الإعلام وسرعة نقل الأحداث، فقد تحولت هذه الوظيفة المعلوماتية إلى وظيفة القراءة الدقيقة والموضوعية لهذه المعلومات، وهذا لا يتحقق دون توفر مستوى معرفي متقدم. ولذلك أصبح تطوير القدرات المعرفية للدبلوماسيين هدفاً رئيسياً في كثير من وزارات الخارجية.
وإذا كانت المعرفة مهمة للدبلوماسي في أداء عمله، فهي أكثر أهمية لمن يتولى صناعة القرار الخارجي، فتشعب القضايا وكثرة أطرافها وتنوع مواقفهم وتسارع الأحداث والتدفق الهائل للمعلومات - وكثير منها اليوم من نوع التضليل الاستراتيجي - يتطلب يقظة دائمة ومتابعة مستمرة وإلماماً بكل أبعاد هذه القضايا للتمكن من الاختيار بين بدائل متعددة للوصول إلى القرارات الرشيدة التي تعظم مصالح الدولة وتقلل خسائرها.
وفي الغالب يشمل الهيكل التنظيمي لوزارات الخارجية إدارات متخصصة للمعلومات والدراسات تقدم الدعم المعرفي والمعلوماتي لعملية صانع القرار. إلا أن هذه الإدارات تعاني من خضوعها للإطار الرسمي الذي يقيد حركتها، كما تكون طرفاً في الصراعات المعتادة في الجهاز البيروقراطي، ما يتسبب في الحد من دورها. وحتى لو تجاوزت الإدارة هذه العيوب فتبقى غير قادرة على ملاحقة كل الأحداث وتقديم القراءة المناسبة لها التي تسهم في صناعة قرار رشيد.
ولهذا تلجأ وزارات الخارجية إلى الاستعانة بمراكز الأبحاث لدراسة القضايا وتشخيص التحديات وتقديم التوصيات المناسبة للتعامل معها، وكذلك تقييم السياسات. الطابع التخصصي لهذه المراكز واستقلالها يمكنانها من تقديم قراءات معمقة للأحداث ومراجعات للسياسات، ولذلك أصبحت من بين أبرز الجهات غير الرسمية المساهمة في صنع قرارات السياسة الخارجية في كثير من الدول. وبعد أن كنا لا نجد هذه المراكز سوى في الدول الكبرى، أصبحت اليوم منتشرة حتى في الدول الصغيرة، والخليج شاهد على ذلك.
الملاحظ أن المملكة ورغم مكانتها وتشعب علاقاتها وحضورها الإقليمي والدولي تفتقد لمثل هذه المراكز البحثية المتخصصة في قضايا العلاقات الدولية، فلا يوجد سوى مركز الملك فيصل للدراسات والبحوث الإسلامية الذي يسهم بدور مهم في توفير الدراسات وحلقات النقاش والندوات التي تنتهي إلى استنتاجات وتوصيات، يمكن استثمارها في دعم القرار تجاه كثير من القضايا التي تهم المملكة. كما تأسس قبل عدة سنوات مركز للدراسات الإيرانية بدأ يسهم في سد العجز الكبير في هذا المجال. وهناك أيضاً عدد من المراكز التي تقوم على جهود فردية وتفتقد الإمكانات، ما يضعف الثقة بمخرجاتها والاستفادة منها في صنع القرار.
وبسبب هذه الحاجة، نجد أن معهد الأمير سعود الفيصل للدراسات الدبلوماسية الذي تأسس قبل سبعة وثلاثين عاماً تجاوز مهام التدريب إلى إجراء الدراسات وعقد حلقات النقاش وورش العمل حول أبرز القضايا الإقليمية والدولية وتقديم التوصيات. وقناعة بهذا الدور، فقد أصدر مجلس الشورى العام الماضي توصية لوزارة الخارجية بتقديم الدعم المالي والبشري للمعهد لتعزيز دوره البحثي لخدمة الدبلوماسية السعودية.
المفارقة أن المملكة كانت سباقة لإدراك دور مراكز الأبحاث في صنع السياسات، فقد أنشأت في منتصف السبعينات مجلساً للأمن الوطني كان من بين اختصاصاته إعداد الدراسات وتقديم الاستشارات حول القضايا والتحديات التي تواجه المملكة؛ دولة ومجتمعاً. وبعد مرور أربعة عقود نجد فراغاً كبيراً في الدراسات الاستراتيجية بسبب غياب المراكز المتخصصة التي يأتي في مقدمة أهدافها توفير مثل هذه الدراسات التي تخدم صانع القرار.
لا يكفي لتأسيس مراكز الأبحاث توفر الموارد المالية، ولكن هناك اشتراطات يأتي في مقدمتها القناعة بأهمية دورها وتوفر المناخ الحر لها، كون طبيعة القضايا التي تتصدى لها تتطلب مساحة كبيرة لأعمال التفكير الحر حولها. كما تتطلب هذه المراكز توفير الدعم لها، ولكن من خلال معادلة تضمن عدم تأثير هذا الدعم في استقلالها الذي يعد شرطاً أساسياً لإنتاج معرفة ذات قيمة.
لم يعد ممكناً اليوم الاكتفاء بالاعتماد على الخبرة والاجتهادات الشخصية وتتبع الأخبار لصناعة القرارات الخارجية، ولا مفر من الحاجة إلى دراسات معمقة تنتجها مراكز بحثية متخصصة على أسس منهجية، ودونها تصبح السياسة الخارجية محدودة التأثير مهما توفر لها من إمكانات مادية ودعم سياسي، كما تزداد التكلفة المادية والمعنوية للقرارات الخارجية كونها في الغالب قائمة على مجرد انطباعات وخبرة شخصية واجتهاد فردي.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة