علي الشوك السومري

علي الشوك السومري

الأحد - 13 جمادى الأولى 1440 هـ - 20 يناير 2019 مـ رقم العدد [14663]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
فقد العراق والعراقيون في 11 يناير (كانون الثاني) 2019، عالماً ومفكراً فريداً من نوعه في شخص علي الشوك، أحد نجوم الخمسينات الذهبية التي جادت بمعظم النوابغ الذين أصبح العراقيون يمتصون ويتغذون بما خلفوه لهم من تراث في سائر الميادين. وكان هذا الرجل واحداً منهم، ولكنه كان امتداداً أخطبوطياً في معظم ميادين الفكر؛ الموسيقى والأوبرا والتاريخ والفلسفة والرياضيات والاجتماع واللغات القديمة... إلخ. وقد شعر بهذه «الإنسكلوبيديا» التي ملأت حياته، فاضطر إلى سرد ذلك في كتابه الإنسكلوبيدي «الحياة والكتابة». ومع ذلك فهو ينفي أن تكون الكتابة شغله الشاغل. القراءة كما يقول هي شغله الشاغل.
التقيت به أول مرة في «ديوان الكوفة» بلندن قبل عدة سنوات. كان موضوع المحاضرة يتناول الكتابة السومرية والحروف المسمارية. قلت لنفسي: هذا رجل ضائع ويريد أن يضيعنا. انقطعت عنه. ولكنني بعد سنوات اكتشفت سر اهتمامه بهذا الموضوع. لم يكن هو الضائع. الشعب العراقي هو الضائع. كم أضعنا من حياتنا في الانشغال بالمتنبي وهارون الرشيد والبحتري وأبي نواس وكل ذلك التراث. ومن حينها انتبهت لما انتبه إليه علي الشوك. حضارة العراق الحقيقية والجديرة بالدرس هي سومر. علي الشوك، كرائد من رواد الحركة اليسارية في العراق وخمسيناتها الذهبية، انتبه إلى هذه الحقيقة التي أشار إليها الباحث الأميركي د. صامويل كرامر في كتابه الشامل «التاريخ يبدأ في سومر.... تسعة وثلاثون أوائل من التاريخ المدون». من هذه الأوائل المدونة أن سومر أجرت أول تجربة في الاشتراكية الديمقراطية، كما كتب باحث آخر.
«آه!» قلت لنفسي، هذا بيت القصيد لعلي الشوك وسر اهتمامه بسومر. العراق هو الأرض التي قام أهلها بأول تجربة في الاشتراكية الديمقراطية. حسناً يا خالد القشطيني. لقد آن لك أن تجدد معرفتك بعلي الشوك. ركبت السيارة مع عبد الإله توفيق ورحلنا إلى إيلنغ غرب لندن، للقاء علي الشوك. فقضينا ساعات نبحث فيها موضوع سومر وأولوياته.
ولكن هذه التعددية والتنوعية وتشوش الفكر فوتت عليه فرصة التركيز على تراث سومر وبابل. إنه داء العراقيين وجل العرب. سرعان ما انصرف لميدان آخر، ثم آخر، إلى الموسيقى واللغة في كتابه «كيمياء الكلمات وأسرار الموسيقى». وهز صفوف المثقفين العرب بكتابه «الأطروحة الفنطازية». لقد حمل نفسه أكثر مما تستطيع فأخذت الشيخوخة تدب في كيانه وتتجاهل نداءه: «أيتها الأفكار... لا تخذليني. ويا صفاء الذهن هلم إليَّ ولو بجزء من طاقتك» غير أن المرض والتعب تملكاه أخيراً، وختم على ذلك الدماغ النادر. خسرناه، وأهم من كل شيء خسرته سومر وبابل. ويا ما ضيع العراقيون على درب مكة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة