«مهاتما» عربي

«مهاتما» عربي

الجمعة - 11 جمادى الأولى 1440 هـ - 18 يناير 2019 مـ رقم العدد [14661]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
يواجه الفلسطينيون في الضفة والقطاع خطراً لم يعرفوا مثله طوال تاريخهم المديد في الصراع من أجل وطنهم. يتمثل هذا الخطر في فكرة «صفقة القرن» التي نوَّه بها الرئيس الأميركي. تحير في أمرها القوم، ولكنها بدأت تأخذ شكلها وأبعادها في الأيام الأخيرة. المقصود بها تحقيق ذلك الحلم الذي يتشبث به غلاة الصهيونية. شرعوا فيه عام 1948 بشن تلك السلسلة من المذابح، وعلى رأسها دير ياسين. تمكنوا بسببها من طرد ألوف الفلسطينيين؛ ولكن من هجَّروهم بالقوة لم يشكلوا غير نتفة من الشعب. بقي الآخرون يتشبثون بوجودهم تحت شعار «الصمود». وراح الصهاينة يحلمون ويفكرون ويخططون. لا بد من التخلص من هذه الشريحة الواسعة التي تشكل قذى في أعينهم.
ولكن كيف؟ ليس من السهل في هذه المرحلة تكرار مذبحة دير ياسين. لم يعد الوضع العالمي والصمود الفلسطيني يسمح بمثل ذلك. لا بد من تحقيق ذلك الآن في إطار مقبول، وترتضيه الأسرة الدولية. وجدوا أن الموقف العالمي والقيادة الأميركية تتسع لفكرة «صفقة القرن». وهذا يعني إقناع الفلسطينيين بالرحيل إلى مناطق عربية مستعدة لامتصاصهم. سيتطلب الأمر بذل المليارات من الدولارات؛ ولكن ذلك متوفر في أميركا، ولا يهمك حاج غرب!
لمسنا الخطوة الأولى من هذا المسار في ذهاب نتنياهو لبعض دولنا. ولكن كما يبدو لي لم يلقَ ذلك ردوداً مشجعة له. هذا درب طويل، ويتوقف أساساً على موقف الفلسطينيين. الرجوع للبندقية أسوأ خيار. بدلاً من إقناع الفلسطينيين بالرحيل ينبغي إقناع الإسرائيليين بالتعايش والتآخي معهم. وهذا طبعاً يعتمد على سلوك الفلسطينيين. لا حجارة ولا سكاكين؛ بل مودة وتعاون، ورود وحمامات سلام. ينبغي أن يتشبعوا بشعار المهاتما غاندي: «أحبب عدوك».
إنه طريق وعر، ولكنه الطريق الوحيد المتبقي للفلسطينيين قبل أن تكتسحهم «صفقة القرن». يحتاجون إلى انقلاب في تفكيرهم. وهذا ما يؤدي في الأخير إلى انقلاب في تفكير الإسرائيليين. وهو ما يتطلب «مهاتما» عربياً متشبعاً بروح الإنسانية والمحبة والسلام والتعايش، في إطار جديد من التفاهم والتآخي. رجل كاريزماتي يستطيع أن يدخل القلوب والعقول، ويجمع القوم حوله من شتى الأجناس والأديان.
نتنياهو وزمرته، وأميركا من ورائهم، نقلوا العاصمة إلى القدس، واعتبروها عاصمة للدولة. والدولة وسعوها بحيث ضمت كل الأراضي الفلسطينية في إطار دولة واحدة، تضم الجميع، فلتكن كذلك. طالما راود هذا الحلم مشاعر كثيرين من المثاليين والإنسانيين عبر القرنين الماضيين. علينا إحياء ذكراهم بتحويل تعاليمهم وفلسفاتهم إلى واقع جديد ينير الدروب نحو صفقة جديدة حقيقية، تمحو الماضي وتجمع القلوب على مائدة واحدة مشتركة للجميع. بغير ذلك، سيتعرض الفلسطينيون، «بالقوة أو المروَّة»، لشتاتات جديدة مبعثرة، وحياة مشبعة بروح الألم والضياع والكراهية والنقمة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة