الديموغرافيا تتكلم

الديموغرافيا تتكلم

الأربعاء - 10 جمادى الأولى 1440 هـ - 16 يناير 2019 مـ رقم العدد [14659]
سوسن الأبطح
أستاذة في "الجامعة اللبنانيّة"، قسم "اللغة العربيّة وآدابها"، صحافيّة وكاتبة في جريدة "الشّرق الأوسط"
التقارير حول الديموغرافيا الأوروبية تظهر أن واحدة من الأزمات الكبرى التي تواجه القارة العجوز تتمثل في أنها تشيخ بالفعل، وأن الفرق يتزايد بين قمة الهرم وقاعدته.
وإن لم يكن الخبر جديداً، ولا الأرقام مفاجئة، فإن دراسة لـ«المركز الوطني الفرنسي للإحصاء»، التي نشرت، بينما عشرات الآلاف من أصحاب السترات الصفراء يحتلون الجادات والساحات كل سبت للمطالبة بتحسين معيشتهم، تبين أن المواليد في فرنسا، رغم أنها من بين الأحسن في أوروبا، فإنها لم تتوقف عن الانخفاض طوال السنوات الأربع الماضية. فلم يولد في البلاد سوى 758 ألف طفل بانخفاض 70 ألفا عن عام 2014. وإن لم يكن التراجع السكاني دراماتيكياً فهو مستمر، والفرنسيون يتناقصون، فيما معدل سنوات الحياة يرتفع، والشيخوخة تطول وحاجات المسنين تزيد تكلفتها. وقد لا تجد فرنسا أمامها بمرور الوقت سوى أن تخون رغباتها وتتقبل أعداداً من المهاجرين ربما كانت تفضل ألا تراهم، وتحتمل فرضهم بعضا من قيمهم التي لا تتناسب وثقافتها.
وحاولت فرنسا منذ سنوات، تعديل قانون الإقامة والجنسية بما يسمح باستقطاب الأكثر ذكاء والأعلى مهارة والأفضل تعليماً. وهو ما تحاول أن تفعله بريطانيا بدورها، حين اعتبرت أن راتب 3 آلاف جنيه إسترليني هو الحد الأدنى لموظف أجنبي كي يبقى على أراضيها. وربما تزداد الشروط مع بدء «بريكست» الذي تغذي الاستفتاء حوله على فكرة التخويف من المهاجرين.
والذكرى لا تزال قريبة، والخطابات رنانة وهي تحذر البريطانيين من هجوم المهاجرين العرب على أوروبا، والمخاوف من عدم القدرة على ردهم بسبب رخاوة الاتحاد الأوروبي، والخشية من الإرهاب والوعود بتوفير المبالغ الطائلة عند الحد من أزمة الهجرة، التي تبين فيما بعد أنها تقوم على كثير من التضخيم والمبالغة.
وفي كل الأحوال فإن أوروبا منقسمة على نفسها، والشعبويون يلعبون دوراً في تأليب الرأي العام، ويستفيدون من الغضب، كما في كل مكان يبقى الغريب هو الذي إليه توجه أصابع الاتهام، ويحمل كل أوزار الفشل الاقتصادي والنقص في الأعمال.
وإن كان ثمة مشكلة بنيوية في اقتصاديات الدول الكبرى، وخلخلة بسبب تغيرات جذرية تطال العالم، لم تتمكن من التأقلم معها بالقدر الكافي، فإن السياسات الانطوائية سرعان ما ستثبت فشلها. فمن غير الممكن لبريطانيا التي انخفضت نسبة المواليد فيها 33 في المائة خلال نصف قرن، أن تكتفي بـ100 ألف مهاجر في السنة يعملون في قمة الهرم، خاصة أن نسبة المواليد انخفضت العام الماضي لتصل إلى أدنى مستوى لها منذ 12 سنة.
المعضلات في أوروبا مركبة، والأنظمة تدور في حلقات مفرغة، إذ إن تأمين الوظائف نفسه بات مشكلة، وابتكار الأعمال معضلة، في حين عدم وجوده سيحرم المسنين - الذين يتضاعف عددهم - ممن يصرف على شيخوختهم، لذلك يتوقع أن يزدادوا فقراً وعوزاً في السنوات المقبلة.
وكان الأوروبيون يعتقدون أن الاستعانة بأشقائهم في أوروبا الشرقية سيكفيهم شر المشرقيين العرب، ويريحهم ربما من المسلمين، فتبين لهم أن المواليد هناك باتت أسوأ حالاً منها عندهم. فواحدة من أقل الدول إنجاباً على الإطلاق في القارة الأوروبية هي بلغاريا، حيث سينخفض عدد السكان بما يقارب مليوني نسمة حتى منتصف القرن الحالي، وليتوانيا سينقص عدد سكانها بما يقارب 15 في المائة، وحتى الصين التي كانت تصدّر أولادها تحسنت أوضاعها بما لا يقاس. ورغم سياستها الجديدة التي تشجع إنجاب ولدين، فإن الصينيين يخشون التخلي عن عاداتهم التي التزموا بها طويلاً، ويكتفون بطفل واحد. وإذا أردت أن تعرف ما البلد الذي يكاد لا ينجب على صغره وازدهاره الاستثنائي فهو سنغافورة التي لا تتعدى نسبة المواليد فيها 0.80 في المائة وهي من الأرقام الأكثر شحاً في العالم.
لم تكن خطوة ألمانيا لاستيعاب أكثر من مليون لاجئ سوري مجرد خدمة إنسانية. فالبلاد تشيخ بسرعة ولم يكن من وسيلة لسد النقص سوى القبول بما توفر من نازحين يطرقون الأبواب. لكن هؤلاء جلبوا معهم متاعبهم أيضاً. وذاك كان درساً في العظم للدول المحيطة بها.
ليست مشكلة الديموغرافيا سوى جزء من قضايا معقدة تعاني منها الدول الأوروبية التي اعتادت أن تعيش على مآسي الغير، وتصفق للحروب، وتستفيد من مبيع الأسلحة، ومن ثم تنتعش بفضل ورشات الإعمار بعد أن يعم الدمار. هذا زمن ولّى عهده. وكان قادة أوروبيون قد نبهوا من أن قرب المسافات سيخلق مشكلات جديدة، وأن الحل هو في مساعدة الدول على الجهة الأخرى من المتوسط، على حلّ مشكلاتها وتنمية مجتمعاتها بسلام، كي تتحول إلى أسواق منتعشة قادرة على شراء المنتوجات، بدل أن تصبح عالة على غيرها. وبريطانيا مع «بريكست» أو من دونه كما الدول الأوروبية الأخرى، لن تتمكن من إقامة حدود بلا ثغرات أو تستغني عن مهاجرين لا يشبهونها. والحل ليس بالتصفيق للحروب واللعب على حبال النار، بقدر السعي لإطفاء الحرائق والمساعدة في التعليم بدل الصرف على النازحين. وهذا يحتاج إلى رؤية غربية مختلفة للعالم، تتخلص من اللوثة الاستعمارية، التي لم تعد تجلب لأصحابها سوى الفوضى والحيرة والخوف من الآخر.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة