الريح تسابق قدميّ

الريح تسابق قدميّ

الأحد - 6 جمادى الأولى 1440 هـ - 13 يناير 2019 مـ رقم العدد [14656]
في كتب التراث قصص وحوادث قد لا تستقيم مع المنطق أحياناً، وإليكم واحدة منها:
كان أحد الصالحين واسمه ثابت بن إبراهيم، يسير ذات يوم في طريق، إذ سقطت تفاحة من بستان، فأخذها وأكل نصفها، وتذكر أنها ليست من حقه، فدخل على البستاني وقال له: أكلت نصف تفاحة، فسامحني فيما أكلت وخذ النصف الآخر، فقال له: أنا لا أملك البستان، وإنما هو ملك سيدي. قال: وأين سيدك حتى أذهب إليه وأستسمحه؟ فقال له: بينك وبينه مسيرة يوم وليلة. فقال: لأذهبن إليه مهما كان الطريق بعيداً؛ لأن الحديث الشريف جاء فيه: «كل جسم نبت من سحت فالنار أولى به».
وذهب إلى صاحب البستان، وطرق بابه، وفتح له الرجل الباب، وبعد أن سلم عليه قال: سامحني فيما أكلت من التفاحة، وهذا نصفها، فنظر إليه صاحب البستان، وقال: لا أسامحك إلا بشرط واحد. فقال: وما هو؟ فقال: أن تتزوج ابنتي. ففرح، ولكنه ذكر إليه أنها عمياء بكماء صماء مقعدة. فقال ثابت: قبلت خطبتها، وسأتاجر فيها مع ربي.
ثم أتى أبوها بشاهدين فشهدا على العقد، وإذا بصاحب البستان يدخل ابنته الحجرة المعدة للزواج، ودخل عليها ثابت، وقال: سألقي عليها السلام، وأنا أعلم أنها صماء لترد عليَّ الملائكة. فألقى عليها السلام، فردَّت هي عليه ووقفت ووضعت يدها في يده. فقال: ماذا حدث؟ ردت السلام إذن ليست بكماء، وسمعت السلام إذن ليست صماء، وقامت واقفة إذن ليست مقعدة، ومدت يدها إذن ليست عمياء. فقال لها: إن أباك قد أخبرني أنك صماء بكماء مقعدة عمياء، ولم أرَ ما أخبرني به. فقالت: إن أبي أخبرك أني عمياء، وأنا عمياء عن الحرام؛ لأن عيني لا تنظر إلى ما حرم الله، صماء عن أكل ما لا يرضي الله، وبكماء لأن لساني لا يتحرك إلا بذكر الله، ومقعدة لأن قدمي لم تحملني إلى ما يغضب الله. ونظر ثابت إلى وجهها فكأنه القمر ليلة التمام، ودخل بها، وأنجب منها مولوداً ملأ أطباق الأرض علماً، إنه «أبو حنيفة».
تخيلوا لو أنني كنت ذلك الرجل الذي قطم نصف التفاحة، وذكر لي والد البنت أوصافها، ساعتها أول ما سوف أتخيله هي: السيدة هيلين كيلر، عندها أي ريح سوف تسابق قدميّ؟!
المشكلة لو أنني عرفت فيما بعد أنها كانت «كاملة الأوصاف» – مثلما وصفها عبد الحليم حافظ - فساعتها سوف أعض على أصابعي وأدميها من شدّة القهر.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة