السياسة الأميركية الملتبسة في سوريا

السياسة الأميركية الملتبسة في سوريا

الخميس - 3 جمادى الأولى 1440 هـ - 10 يناير 2019 مـ رقم العدد [14653]
منذ البداية وحتى اليوم ظلّت السياسة الأميركية إزاء الأزمة السورية حائرة ومرتبكة يسودها كثير من الغموض والتخبط، لذا لم يكن غريباً أن يخرج الرئيس دونالد ترمب بإعلانه المفاجئ بسحب القوات الأميركية الذي أثار ردود فعل واسعة، ولا تزال تداعياته مستمرة بالتوازي مع مساعي المعالجات الهادفة لاحتواء الأمر، وطمأنة الحلفاء، ورسم ما يشبه «خريطة طريق»، لكيلا نقول «استراتيجية»، لكيفية تحقيق هذا الانسحاب.
واشنطن باختصار تبحث عن مخرج منذ إعلان ترمب «التويتري»، وتحاول إيجاد صيغة لا تحرج الرئيس أو تستفزه، وفي الوقت ذاته تطمئن الحلفاء، وذلك بالتأكيد على أن الانسحاب سيتم وفق «ترتيبات حذرة» تضمن استمرار المعركة ضد «داعش» لضمان عدم استعادته قوته، وتطمئن الأكراد الذين قاتلوا إلى جانب أميركا، كما تضمن تماسك التحالف ضد إيران وتعزيزه. لهذا السبب أرسلت واشنطن وزير الخارجية مايك بومبيو، ومستشار الأمن القومي جون بولتون، إلى المنطقة، لتطمين الحلفاء، ومحاولة التوصل إلى تفاهم مع تركيا فيما يتعلق بأكراد سوريا.
وزير الخارجية مايك بومبيو بدا مبهماً في تصريحاته بشأن الانسحاب من سوريا، مع بداية جولته في المنطقة؛ ففي حين أكد أن أهم التحديات التي تواجه المنطقة «هي (داعش) والثورة الإسلامية الإيرانية»، قائلاً إن المعركة مستمرة، فإنه لم يتحدث بالوضوح ذاته عن قرار سحب القوات الأميركية من سوريا، بل بدا وكأنه يؤكد الخطوة التي أثار إعلانها المفاجئ الكثير من اللغط، فقد أشار إلى أن «قرار الرئيس سحب جنودنا من سوريا لا يؤثر على قدرتنا» في مواجهة التحديات التي أشار إليها، لا سيما تعزيز التحالف في مواجهة إيران.
أما بولتون، فقد قوبل بغضب تركي عارم بعد تصريحاته التي أدلى بها في إسرائيل، والتي ربط فيها الانسحاب بما اعتبرته أنقرة شروطاً غير مقبولة تدخل ضمن خطوطها الحمراء في موضوع الأكراد. وكان بولتون قد ربط الانسحاب بثلاث ضمانات، أو شروط، كما رأتها تركيا. الضمانات هي «أن يتم الانسحاب من شمال شرقي سوريا بطريقة تضمن منع (داعش) من إعادة إحياء نفسه ليشكل تهديداً جديداً»، و«التأكد من الضمان التام لحماية إسرائيل والأصدقاء في المنطقة»، و«الاهتمام بمن حاربوا إلى جانبنا ضد (داعش) والتنظيمات الإرهابية الأخرى»، وهي إشارة إلى أكراد سوريا، وبشكل خاص قوات سوريا الديمقراطية، التي تشكل وحدات حماية الشعب الكردي عمادها الأساسي.
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان رفض لقاء بولتون، وشنّ عليه هجوماً عنيفاً، قائلاً: «إنه ارتكب خطأ فادحاً» بتصريحاته. الواقع أن إردوغان ليس لديه مشكلة مع مطالب واشنطن، إلا في ضمانة واحدة من ضمانات بولتون، وهي تلك المتعلقة بالأكراد والمناطق التي يسيطرون عليها، فهذا هو الأمر الذي ركّز عليه في كلمته أمام نواب حزبه في البرلمان، أول من أمس، قائلاً إنه لا تساهل أبداً في هذا الموضوع، رافضاً ما ذكره بولتون من أن واشنطن تريد من أنقرة ضمانات بعدم شن أي عمليات ضد الأكراد، أو المناطق الواقعة تحت سيطرتهم إلا بعد الحصول على موافقة منها.
رد الفعل التركي كان متوقعاً، ولا أحسب أن واشنطن فوجئت به؛ فسياسة تركيا المعلَنة والممارَسة على الأرض هي ملاحقة من تصفهم بالإرهابيين الذين تقصد بهم حزب العمال التركي، وقوات سوريا الديمقراطية، وبالأخص وحدات حماية الشعب الكردي، التي تعدها مرتبطة عضوياً بالعمال التركي. كما أن أنقرة تعمل على تقويض أي حكم ذاتي للأكراد في شمال سوريا، وتعتبره تهديداً لأمنها القومي، لأنه سيعزز طموحات أكراد تركيا الذين ينظرون إلى ما حققه إخوتهم في العراق أو في سوريا.
فإذا كانت واشنطن تعلم كل ذلك، فما الذي كان يتوقعه أو يأمله بولتون بتصريحاته، التي لم تؤدِّ إلا استفزاز حكومة إردوغان وتعقيد زيارته إلى أنقرة؟
إدارة ترمب التي واجهت ضغوطاً في الداخل، سواء من «البنتاغون» أو وزارة الخارجية، أو بعض الأصوات القوية في الكونغرس مثل السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام الذي وصف قرار سحب القوات من سوريا بالخطأ الفادح، تحاول القول إنها لا تعتزم التخلي عن حلفائها، ومنهم الأكراد الذين قاتلوا معها ضد «داعش».
لكن خياراتها بالتأكيد محدودة للغاية، في ظل الموقف التركي، وأوراقها القليلة في سوريا، والتزامها المعلن بإعادة القوات الأميركية من هناك؛ فهي يمكن أن تستمر في دعم الأكراد عسكرياً، لكن هذا لن يحقق سوى دفع تركيا لتصعيد تدخلها العسكري، كما أنها يمكن أن تحاول التنسيق مع موسكو لحماية الأكراد، خصوصاً في ظل التعاون القائم بين روسيا وتركيا وإيران في الملف السوري. يبقى أمر أخير، وهو محاولة دفع مسار المفاوضات لإنهاء الأزمة السورية، ومحاولة ترتيب وضع خاص للأكراد يمنحهم إدارة ذاتية محدودة لكيلا تستفز أنقرة.
بغض النظر عن محاولات واشنطن احتواء التداعيات، فإن الأمر الواضح أنها سلمت بأمرين: أن نظام الأسد باقٍ في السلطة، وأن روسيا لديها اليد الطولى في سوريا اليوم. فتدخل روسيا عسكرياً بشكل مباشر في 2015، كان العامل الأساسي في قلب الموازين عسكرياً وسياسياً، وأعطى الأسد وحلفاءه تفوقاً في المعركة على الأرض، ممهداً الطريق لبقاء النظام خلافاً لكل التوقعات السابقة. حتى على الصعيد الدبلوماسي تبنت روسيا مساراً موازياً لمؤتمرات واتفاقات جنيف، خلقت بموجبه واقعاً جديداً يضمن بقاء نظام الأسد، وتتحرك الآن لفك عزلته بتشجيع بعض الدول لإعادة العلاقات الدبلوماسية مع دمشق، مثلما فعلت مع النظام السوداني، وأقنعت رئيسه عمر البشير بالتوجُّه إلى العاصمة السورية، ووفرت له طائرة ليكون أول رئيس عربي يزور الأسد منذ اندلاع الحرب هناك.
«تغريدة» ترمب كشفت من جديد تخبط السياسة الأميركية في سوريا، لكنها قد تؤدي بشكل لم تكن تقصده، إلى تركيز الجهود لدفع المسار التفاوضي لإنهاء الأزمة السورية. فالإدارة الأميركية الحالية تعطي الأولوية للملف الإيراني، ولا ترى أولوية غيره في سياساتها بالمنطقة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة