تنسيق السياسة الخارجية السعودية

تنسيق السياسة الخارجية السعودية

السبت - 27 شهر ربيع الثاني 1440 هـ - 05 يناير 2019 مـ رقم العدد [14648]
د. صالح بن محمد الخثلان
أستاذ العلوم السياسية بجامعة الملك سعود
ذكرنا في مقال سابق أن التحولات الكبيرة التي تعيشها المملكة تقتضي هيكلة للسياسة الخارجية السعودية، تشتمل على تشخيص للفرص والتحديات وتحديد الأهداف الاستراتيجية وترتيب للأولويات، بما يعزز الدبلوماسية السعودية على الساحتين الإقليمية والدولية في ضوء المتغيرات المتسارعة داخلياً وخارجياً. هذا الهدف يقتضي أيضاً معالجة مشكلة التنسيق بين الجهات المتعددة التي تسهم في صناعة السياسة الخارجية وتنفيذها، وهو موضوع هذا المقال.
قبل عقود قليلة كانت السياسة الخارجية لأي دولة تركز على قضايا محدودة تتعلق بأمن الدولة واستقلالها وسيادتها، وعرفت باسم السياسة العليا high politics، ولكن نتيجة تزايد الاعتماد المتبادل بين الدول والتداخل بين الشأنين الداخلي والخارجي، فقد تعقدت وتشعبت قضايا السياسة الخارجية لتشمل - إضافة إلى القضايا التقليدية - مسائل تتعلق بالتنمية والتجارة وحقوق الإنسان والهجرة والفقر والبيئة. وهو ما اقتضى توسيع دائرة المشاركة في صناعة السياسة الخارجية وتنفيذها، لتشمل عدداً غير قليل من الأجهزة الحكومية، حسب مكانة الدولة ودرجة انغماسها في النظام الدولي.
والمملكة تتمتع بمكانة في محيطها الإقليمي، وتأثير في العالم الإسلامي، ودور ظاهر في الاقتصاد العالمي، الأمر الذي اقتضى تشعب تحركها الخارجي وتعدد جهودها. ورغم أن وزارة الخارجية هي الجهة المعنية بتنفيذ السياسة الخارجية السعودية، وتسهم في صناعتها، فإن الواقع يظهر مساهمة عدد غير قليل من الجهات. ما يقتضي التنسيق بينها لضمان تضافر الجهود وانسجامها ويحقق المصلحة الوطنية.
هناك 3 مستويات من التنسيق؛ «1» بين قطاعات الوزارة، «2» بين الوزارة وبقية الجهات التي تمارس نشاطاً له أثر خارجي، «3» بين وزير الخارجية ووزير الدولة للشؤون الخارجية.
بالنسبة لمطلب التنسيق داخل الوزارة، فهو يأتي نتيجة التغيرات التي شهدتها خلال السنتين الأخيرتين، حيث أصبح هناك 4 مناصب قيادية. تتمثل في وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية والاقتصادية، ووكيل وزارة الخارجية للشؤون الدولية المتعددة، ووزير الدولة لشؤون الدول الأفريقية، ووزير الدولة لشؤون الخليج العربي. ويبدو أن هذه التغيرات لم يتبعها توزيع واضح للصلاحيات، الأمر الذي يفسر التداخل في النشاط بين المسؤولين.
إذاً هناك حاجة ماسة لتحديد نطاق العمل ووضع آلية للتنسيق في المسائل التي تتقاطع بين هذه المناصب. أما التنسيق بين الجهات، فهناك اليوم ما يقرب من 13 جهة لها دور في السياسة الخارجية صنعاً وتنفيذاً. تبدأ من الديوان الملكي، ومجلس الشؤون السياسية والأمنية، مروراً بوزارة الخارجية، فمجلس الشورى من خلال نشاطه الدبلوماسي البرلماني، ووزارة الشؤون الإسلامية لنشاطها الدعوي في الخارج، ووزارة الطاقة التي تمارس دبلوماسية الطاقة، وصندوق التنمية السعودي المسؤول عن تقديم المساعدات والقروض للدول النامية، ووزارتي التجارة والصناعة والعمل والشؤون الاجتماعية، من خلال أنشطتهما التجارية والعمالية التي تربطهما بعلاقة مع كثير من الدول، نظراً إلى انفتاح واتساع السوق السعودية، و«هيئة حقوق الإنسان» المعنية بكل ما له علاقة بقضايا حقوق الإنسان دولياً، ومن أبرز أعمالها تقديم التقارير الدورية لمجلس حقوق الإنسان، و«مركز الملك سلمان للإغاثة» المسؤول عن تقديم المساعدات الإنسانية حول العالم. وتنتهي بالمركز السعودي للشراكات الاستراتيجية، المكلف «تحقيق الانسجام والتنسيق لجميع جهود المملكة في شأن شراكاتها الاستراتيجية الدولية مع الدول المستهدفة بالشراكة»، ومركز الأمن الوطني الذي تشمل مهامه «تحديد وتقويم التهديدات والأخطار ذات الأولوية المتعلقة بالأمن الوطني». هذا العدد الكبير من الجهات المشاركة في الشأن الخارجي يجعل نجاح السياسة الخارجية مشروطاً بمستوى التنسيق والتعاون بينها، بدءاً بتبادل المعلومات، وانتهاءً بتنسيق أنشطتها الدولية. وواقع الحال يشير إلى ضعف التنسيق. وما زلت أتذكر شكوى أحد كبار المسؤولين في وزارة الخارجية قبل سنوات، أن جهة حكومية اتخذت إجراء يتعلق بمواطن إحدى الدول دون إخطار للوزارة، وكاد ذلك يترك تبعات على الطاقم الدبلوماسي في تلك الدولة. ومما يدل على ضعف أو عدم التنسيق بين هذه الأجهزة، رتابة استجابتها لنتائج زيارات كبار المسؤولين، وما يصحبها من ارتفاع في سقف التوقعات عند الدول المضيفة، الأمر الذي يترك انطباعاً سلبياً عن جِدية الدبلوماسية السعودية.
المستوى الثالث والأخير في التنسيق المطلوب، يرتبط بالعلاقة بين وزير الخارجية ووزير الدولة للشؤون الخارجية. وهنا نستطيع الاطمئنان إلى تحقق هذا التنسيق، نظراً لشخصية الوزيرين، إلا أن ذلك لا يغني عن وضع آلية تنسيقية، كون مرجعية وزير الدولة أصبحت لرئيس مجلس الوزراء، وليست للوزير، كما كان عليه الحال سابقاً.
بالطبع التنسيق بمستوياته الثلاثة يصعب تحقيقه دون استيعاب عميق لأبعاد المصلحة الوطنية من كل مسؤول معنيّ بالشأن الخارجي.

* أستاذ العلوم السياسية بجامعة الملك سعود

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة