مباحات الشريعة وخيارات المدينة

مباحات الشريعة وخيارات المدينة

الخميس - 12 شهر ربيع الثاني 1440 هـ - 20 ديسمبر 2018 مـ رقم العدد [14632]
فهد سليمان الشقيران
كاتب وباحث سعودي
القلق والهلع اللذان يعتوران المسلمين مع الحادثات الجديدة، والبرامج الناشئة، والمناشط غير المألوفة، يرجعان بشكل أساسي لخلل عميق في فهم الأحكام التكليفية. طوال تاريخ أصول الفقه كانت الغلبة لأصالة الشر في كل ما بدا للعيان، والأصل في الظواهر المتعددة هو التحريم ما لم يستدل عليها بالإباحة. وبرغم التأكيد على أصالة الإباحة لكل الأشياء الدنيوية، بموازاة أصالة التحريم لكل طروء على أحكام العبادات، إلا أن النقص في تبويب المباح في الشريعة كان فظيعاً، وآية ذلك الفتاوى والأحكام والقلق من الدنيا وأذواقها، ومن الجديد العصري وخياراته. يشمل ذلك معظم حقب تاريخنا الإسلامي، ولعل تحويل سلوك التزهّد من فردي مشروع إلى برنامج أمة ومجتمع بأكمله سلب حق الاختيار من بقية الأفراد، وقد مارس بعض الفقهاء أدوارهم المعادية للمباح من خلال تحريض المجتمعات على التقليد بما هو خارج قطعيات الشريعة وإنما مما يندرج ضمن اختيار الفرد بالبعد عن الدنيا ومغرياتها.
لم يبحث عالم حكم «المباح» كما فعل الإمام الشاطبي (القرن الرابع عشر الميلادي) في الموافقات، إذ بحث في القسم الثاني من الموافقات وتحت عنوان «كتاب الأحكام» موقع «المباح» وتوضيح مكانته في أحكام التكليف الشرعية، معتبراً «المباح من حيث هو مباح لا يكون مطلوب الفعل، ولا مطلوب الاجتناب... والمباح عند الشارع هو المخيّر فيه بين الفعل والترك، من غير مدحٍ ولا ذم، لأعلى الفعل، ولأعلى الترك، فإذا تحقق الاستواء شرعاً والتخيير لم يتصوّر أن يكون التارك به مطيعاً لعدم تعلق الطلب بالترك، فإن الطاعة لا تكون إلا مع الطلب، ولا طلب، فلا طاعة». ثم يضيف: «الترك عند المحققين فعل من الأفعال الداخلة تحت الاختيار، فترك المباح إذا فعل مباح». (الموافقات المجلد الأول من ص 172 إلى 215).
والشاطبي درس المباح محاججاً بطرقه المنطقية والاستدلالية، وبأداة المحقق العالم ليمحصه شرعياً، وقد برع بذلك بشكلٍ لم يسبق له مثيل، ولذلك يحلل البروفسور وائل حلاق هذا الإبحار بقوله: «من بين القواعد الخمس التي تشكل الأخلاقيات الفقهية يركز الشاطبي تركيزاً رئيسياً على فئة الأعمال المباحة التي يتساوى فعلها وتركها في المشروعية، وأياً يكن الأمر، فلا ثواب عليها ولا عقاب، وفي حين أن هذه الفئة تحظى بتحديد مقتضب نوعاً ما في مؤلفات الأصوليين الآخرين، تشكّل في خطاب الشاطبي موضوع نقاشٍ موسع وكثيف في بعض الأحيان، فهو يقف مطولاً عند التشديد على أدلة نصية أو استحضارها بغية تأييد المذهب القائل إنه بسبب أن المباح فئة حيادية كلياً، لا يمكن أن يكون فعل الأعمال المباحة أو تركها جديراً بالمدح والذم، وهكذا يبدو أن الكلام موجه توجيهاً رئيسياً إلى المتصوفين الذين أصروا على القول إن فعل المباحات يؤدي إلى أن يبيع الإنسان لنفسه ملذات الحياة». (تاريخ النظريات الفقهية في الإسلام: ص 227).
من هذه المقدمة النظرية نكتشف أمراً مهماً يجب أخذه بالاعتبار لحظة الحديث عن خيارات المدينة، أو طريقة النظر للمجال العام، فالمباح هو فضاء المدينة، إذ يتم ترتيبها ضمن الخيارات المحققة لتطلعات متنوعة لمجتمع مختلف، وهذه الخيارات مباحة ومتاحة والحكم عليها بالحياد. فليس لخيارٍ الغلبة على الآخر في المجال العام بما هو مباح بالأصل. فالمدينة تتضمن خياراتها الرياضية والفنية والثقافية والاجتماعية والمهنية، ولا ميزة لخيارٍ على آخر، وشرط المدينة لاكتمالها أن تنوع الخيارات لمجموع الأفراد الراكضين على أرضها، حين يتم الوعي بهذا الشرط الحيوي والمدني للمدينة، تخف الحدة الهستيرية من قبل البعض لإجبار كل المجتمع على خياره وذوقه الخاص.
ليس من حقّ المثقف تحويل المدينة كلها لنادٍ أدبي ضخم، ولا من حق الرياضي أن يجبر المجتمع على متابعة المباريات، وهكذا، فالمباح باب متاح من أراد ولوجه فليذهب، ولا يعاب على التارك، ولا يفضّل عليه الذاهب، فالكل سواسية تحت سقف المدينة.
سبب هذا القول ما شاهدته من البعض الغاضبين على فعاليات «فورمولا إي في الدرعية»، مع أنها بالتحليل فعالية واحدة من مئات الفعاليات المختلفة في مدينة ضخمة مثل الرياض، هناك بالتأكيد في التوقيت ذاته دروس لطلبة العلم في المسجد، ومنتدى ثقافي في صالون أدبي، ومسابقة بصرحٍ رياضي.
ثم إنها ليست فعالية إجبارية، ولا يساق إليها الناس بالسلاسل بل باب من خيارات المدينة المتاح.
على التيارات التي اعتادت على سكنى الذات، والزهو بالهيمنة على المجتمع، والانتشاء التاريخي القديم بالسلطة على الأفراد والمجتمعات أن تفهم بشكلٍ واضح أن سلطتها قد انتهت، وأن المرحلة الآن لخيارات المدينة، فهم أفراد ومواطنون على هذه الأرض ليس من حقهم ممارسة السلطة على الناس، والحكم للدولة وقادتها ومؤسساتها، والاعتداء على خيارات المدينة بمثابة إعلان حرب، ومروق عن القانون وتحدٍ للحاكم. هذه بدهية لعلهم يتواضعون قليلاً ويعرفون أنهم أمة قد خلت ومضت وانتهت، ولله في خلقه شؤون.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة