صفقة ليس فيها رابح

صفقة ليس فيها رابح

الخميس - 20 شهر ربيع الأول 1440 هـ - 29 نوفمبر 2018 مـ رقم العدد [14611]
بريطانيا غارقة حتى أذنيها، أو إلى حد الضجر، حسب تعبير البعض، في الجدل حول الخروج من عضوية الاتحاد الأوروبي (بريكست)؛ فبعد الجلسة السريعة يوم الأحد الماضي التي أجازت فيها بقية قادة دول الاتحاد (27 دولة) الاتفاقية التي تم التوصل إليها مع رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، عادت الكرة إلى الملعب البريطاني، في شوط يُفترض أن يكون حاسماً لمصير الاتفاقية ولمستقبل ماي.
لماذا يجب أن تعنينا هذه المعركة البريطانية - الأوروبية؟
في عالم تتشابك فيه المصالح، فإن التداعيات ستكون كبيرة بلا شك، ولن تقتصر على الطرفين. الاتحاد الأوروبي كأكبر كتلة تجارية في العالم يواجه ضغوطاً خارجية وداخلية أكثر من أي وقت مضى، وخروج بريطانيا من عضويته ستكون له آثاره السلبية، خصوصاً في وقت تتصاعد فيه أصوات التيارات اليمينية والقومية المتطرفة في عدد من دوله مجاهرةً بالعداء لمؤسسات الوحدة الأوروبية. هذه التيارات تلقى تأييداً من الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي لا يخفي كرهه للاتحاد الأوروبي، ويحبذ تفككه ككتلة تجارية منافسة لأميركا. في هذا الأمر يلتقي الرئيس الأميركي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يرى في التكتل الأوروبي تهديداً للمصالح الروسية.
بريطانيا في الجانب المقابل تشكل خامس أكبر اقتصاد عالمي، وثاني أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي بعد ألمانيا، وخروجها من عضويته سيحدث خسائر في الطرفين تمتد آثارها للاقتصاد العالمي. هذه ليست أخباراً جيدة مع التحذيرات الصادرة من عدة جهات ذات وزن بأن العام المقبل سيشهد ضغوطاً على الاقتصادات الكبرى، بما فيها الاقتصادات الأميركية والصينية والألمانية، والأوروبية بشكل عام.
أضف إلى ذلك أن صندوق النقد الدولي خفَّض، الشهر الماضي، توقعاته السابقة للنمو الاقتصادي العالمي، مشيراً إلى جملة من العوامل السالبة، مثل الحرب التجارية بين أميركا والصين، وتأثيرات «بريكست»، وضغوط ارتفاع أسعار الفائدة على اقتصادات عدد من الدول الصاعدة، مثل الأرجنتين والبرازيل وتركيا وجنوب أفريقيا.
أوروبا بالتأكيد ليست سعيدة، وترى «بريكست» باعتباره صفقة ليس فيها رابح. رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر عبَّر عن الأمر عندما تحدَّث للصحافيين عقب الاجتماع الذي وافق فيه قادة دول الاتحاد على اتفاقية خروج بريطانيا، قائلاً إنه يوم حزين للطرفين. وعندما سُئِل عما إذا كانت الاتفاقية التي تم التوصل إليها جيدة في نظره، قال: «إنها أفضل ما يمكن»، مضيفاً أنه ليس هناك طلاق سهل.
المزاج في بريطانيا لم يكن مختلفاً إلا في حدته، وضراوة النقاش حول الاتفاقية التي أبرمتها ماي مع الاتحاد الأوروبي، والتي ووجهت بعاصفة من الانتقادات؛ فكل المؤشرات تنذر بأن تيريزا ماي تواجه احتمال هزيمة ساحقة في البرلمان عند التصويت على الاتفاقية، مما يعني أن بريطانيا تواجه مرحلة أخرى من الغموض حول وجهتها المقبلة في مفاوضاتها المعقدة مع الاتحاد الأوروبي، بكل ما يعنيه ذلك من سلبيات لاقتصادها.
تيريزا ماي التي تقاتل لإنقاذ الاتفاقية وإنقاذ مستقبلها السياسي نقلت المعركة إلى الشارع بهدف كسبه إلى صفها، وتحريكه للضغط على نواب البرلمان؛ فبدأت جولة داخلية للترويج لخطتها باعتبارها أفضل ما يمكن تحقيقه. وهي تأمل أن الشعب البريطاني الذي يشعر بالضجر من الجدل حول «بريكست» يمكن أن يحول ذلك إلى ضغط على النواب لتمرير الاتفاق والالتفات نحو المشكلات الداخلية الأخرى ومفاوضات المرحلة المقبلة مع الاتحاد الأوروبي.
كذلك تراهن ماي على عامل الوقت، وعلى سياسة التخويف من أن الاتفاقية إذا لم تمر في البرلمان، فإن البدائل هي إما ألا يكون هناك «بريكست» على الإطلاق، أو القفز إلى المجهول بالخروج بلا أي اتفاق.
ذلك أن الاتحاد الأوروبي أعلن عدم رغبته في إعادة التفاوض حول الصفقة، وبريطانيا لم يعد أمامها سوى 119 يوماً قبل الموعد المضروب للطلاق (29 مارس/ آذار 2019)، وليس هناك متسع لمفاوضات جديدة إذا سقطت الاتفاقية في التصويت البرلماني المقرر في 11 ديسمبر (كانون الأول) المقبل.
الواقع أن بريطانيا كلها، وليست ماي وحدها، تواجه أياماً عصيبة؛ فسقوط الاتفاقية في تصويت البرلمان يضع البلد أمام مرحلة من الغموض المفتوحة على خيارات كثيرة معقدة، فإما العودة إلى الاتحاد الأوروبي لتأجيل موعد الطلاق، وإعادة التفاوض لتعديل الاتفاقية المعروضة حالياً، أو الدعوة إلى استفتاء شعبي جديد يقرر فيه الناس القبول بصفقة ماي، أو الخروج بلا صفقة، أو العدول نهائياً عن الخروج لصالح الاستمرار في عضوية الاتحاد.
هناك أيضاً احتمال الإطاحة بماي من قبل نواب حزبها، أو الدعوة إلى انتخابات عامة جديدة.
لا أحد يستطيع أن يجزم بالمنحى الذي ستأخذه الأمور خلال الأيام المقبلة، خصوصاً بعد تصويت البرلمان البريطاني على الصفقة؛ فحتى إذا حدثت معجزة ونجحت ماي في تمرير الاتفاقية، فإن الآتي ليس سهلاً، ومفاوضاته لا تقل تعقيداً، أو جدلاً، لأن تفكيك تشابكات علاقة امتدت 45 عاماً لن يكون أمراً سهلاً بكل المقاييس؛ فالاتحاد الأوروبي هو أكبر سوق للصادرات البريطانية (العام الماضي صدرت بريطانيا ما قيمته 274 مليار جنيه إسترليني للاتحاد الأوروبي). ووفقاً لتوقعات وزارة الخزانة، فإنه إذا حدث الطلاق وفقاً لاتفاقية ماي فإن الخسارة السنوية ستكون في حدود 40 مليار جنيه، يُضاف إليها في السنة الأولى 39 مليار جنيه (فاتورة الطلاق)، وهي الالتزامات المترتبة على بريطانيا في ميزانية الاتحاد الأوروبي. أما إذا حدث الخروج من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، فإن الاقتصاد البريطاني سيخسر 150 مليار جنيه سنوياً.
إذا أخذنا بتعبيرات عدد من السياسيين والمعلقين، فإن بريطانيا تواجه أكبر تحدٍّ منذ الحرب العالمية الثانية، وهو أمر لن يمر مرور الكرام من حيث تداعياته وتأثيراته سواء على الصعيد الأوروبي، أو على صعيد الاقتصاد العالمي الذي يُتوقع أن يمر بفترة من الضغوط في كل الأحوال خلال 2019.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة