النظام العالمي ثلاثي القوى

النظام العالمي ثلاثي القوى

الأربعاء - 19 شهر ربيع الأول 1440 هـ - 28 نوفمبر 2018 مـ رقم العدد [14610]
عبد المنعم سعيد
رئيس مجلس إدارة صحيفة المصري اليوم بالقاهرة، ورئيس مجلس إدارة ومدير المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة
الشائع في علوم العلاقات الدولية، هو أنها ترتكز على القوى العظمى وعلاقاتها، وما بعد ذلك إما مجرد تفاصيل، أو أقل شأناً من المنظومة الرئيسية القادرة على الهيمنة ومد النفوذ، والمنافسة بالسلم أو بالحرب أو بالردع مع القوى العظمى الأخرى. والشائع أيضاً أن توصف المنظومة الرئيسية بعدد الأقطاب فيها، فيقال النظام متعدد الأقطاب، كما كان الحال ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. أو نظام القطبين، كما كان في أعقاب الحرب الثانية؛ حينما انفردت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي بالنظام الدولي. أو نظام القطب الواحد، كما كانت بريطانيا ما بين 1815 بعد هزيمة نابليون و1914 ونشوب الحرب العالمية الأولى، والولايات المتحدة الأميركية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 وحتى عام 2008، عندما جرت الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية، وهو العصر الذي سُمِّي «العولمة» شكلاً، أما في الحقيقة فقد كانت الولايات المتحدة هي القائدة العظمى الوحيدة في العالم. فيا ترى ما هو الحال الآن، وكيف يوصف النظام الدولي؟ الإجابة المباشرة هنا، والتي سوف يجري التفصيل فيها، هي أن العالم لم يعد أسيراً لقوة عظمى وحيدة؛ لأن التحدي للولايات المتحدة بات كبيراً كما سوف نرى؛ كما أن العالم لم يعد متعدد الأقطاب، على عكس ما كان شائعاً أن اليابان والهند وأوروبا الموحدة سوف تدخل في منظومة التنافس على قيادة العالم وتوجيهه، ولكن العالم يدخل حثيثاً إلى منظومة ثلاثية القوى العظمى: الولايات المتحدة الأميركية، ودولة روسيا الاتحادية، وجمهورية الصين الشعبية.
في يوم 21 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، نشرت صحيفة «النيويورك تايمز» مقالاً لكل من إدوارد وونج، وآلن رابيبورت، بعنوان «السباق نحو القوة الكونية: الولايات المتحدة والصين تدفعان الأمم إلى الاختيار». المقال محتواه أن العالم الآن بات ثنائي القطبية بين الولايات المتحدة والصين، استناداً إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للبلدين يتقارب يوماً بعد يوم، وفي الوقت الراهن فإنه بالحساب استناداً إلى القوة الشرائية للدولار، فإن الناتج الصيني يتفوق على ذلك الأميركي، وأخذاً لمعدلات النمو الراهنة، فإن الصين في طريقها إلى مزيد من التفوق؛ خاصة بعد الريادة في مجالات الثورة الصناعية التكنولوجية الرابعة. النمط الذي يدور في تفاعلات القطبين يشير إلى تنافسهما، والولوج من المنافسة إلى الحرب التجارية والاستراتيجية في بحر الصين الجنوبي، والسياسية بالعقوبات الأميركية على حلفاء للصين، مثل كوريا الشمالية وإيران، والتي تضغط فيها واشنطن على دول العالم للاختيار ما بينها وبين الصين.
ولكن دورية «الشؤون الخارجية» الأميركية، رأت الثنائية القطبية تدور في الإطار التاريخي المعاصر للعلاقات والتفاعلات الأميركية الروسية؛ وجاء ذلك في العدد المجمع لمقالاتها والصادر في أبريل (نيسان) 2018، بعنوان «الحرب الباردة الجديدة: روسيا وأميركا من قبل والآن». مجموعة الدراسات المنشورة تبدأ من بداية الحرب الباردة القديمة، التي جرى إشهارها فكرياً من خلال مقال «X»، الذي سطره السفير الأميركي جورج كينان، في عدد يوليو (تموز) 1947 بعنوان «مصادر السلوك السوفياتي» والتي أعلن فيها انتهاء التحالف الأميركي السوفياتي أثناء الحرب العالمية الثانية، ودعا كبديل إلى اتباع استراتيجية تقوم على «احتواء» الاتحاد السوفياتي. المقالات المختلفة المنشورة تعكس التطورات وفترات الصعود واحتدام الحرب الباردة، أو تخفيف التوتر، عندما نشر هنري كيسنجر مقاله في يوليو 1959 بعنوان «البحث عن الاستقرار»، ونيكيتا خروتشوف الذي نشر في عدد أكتوبر (تشرين الأول) من الدورية نفسها بعنوان «عن التعايش السلمي». ولكن لحظات التعايش والوفاق كانت الاستثناء على مسيرة طويلة من الحرب الباردة، استمرت حتى انهار الاتحاد السوفياتي في مطلع تسعينات القرن الماضي. وعلى مدى عقد ونصف تقريباً، وفي ظل انفراد الولايات المتحدة في العالم، فإن المقالات المنشورة ركزت على إنقاذ روسيا، والتعاون معها في إطار مجموعة الثمانية. وفي عام 2002 ظهر العنوان «تجديد روسيا». ولكن شهر العسل هذا لم يستمر طويلاً؛ حيث تواصلت المقالات والدراسات التي تكشف ازدياد التوتر بين واشنطن وموسكو. وفي عام 2006 كان العنوان هو «روسيا تترك الغرب»، وفي 2007: «خسارة روسيا وتكاليف استئناف المواجهة»، وفي 2008: «لماذا استقرار السلطوية (فلاديمير بوتين) خرافة»، وفي 2010: «مأزق التحديث في روسيا»، وفي 2011: «الدب المحتضر»، و«كارثة روسيا السكانية»، وفي 2014: «إدارة الحرب الباردة الجديدة»، وفي 2016: «الجغرافية السياسية الدائمة لروسيا»، و«البحث عن مكانة روسيا المشروعة»، و«إحياء القوة العسكرية الروسية» (هذا بعد ضم روسيا للقرم، واحتكاكها بأوكرانيا، وفرض العقوبات الأميركية عليها). وفي العام الحالي 2018، نشرت مجلة «الشؤون الخارجية» في عدد يناير (كانون الثاني): «احتواء روسيا مرة أخرى»، وفي عدد مارس (آذار): «هل بدأت حرب باردة جديدة؟».
دار الزمان دورته، وعادت الحرب الباردة من جديد بين موسكو وواشنطن، بينما كانت حرب باردة أخرى تجري بين واشنطن وبكين. الأولى في جوهرها استراتيجي، مسرحها أوروبا والشرق الأوسط؛ والثانية تبدو اقتصادية تدور حول التجارة، ولكنها هي الأخرى استراتيجية حول السيطرة والنفوذ في العالم. الحربان تدوران بين ثلاث قوى: الولايات المتحدة الأميركية، التي لا تزال نظرياً القوة الاقتصادية والعسكرية الأولى في العالم؛ وروسيا التي أياً كانت حالتها الاقتصادية متواضعة فإن لديها أكثر من 9000 رأس نووية، تكفي لتدمير الكرة الأرضية عدة مرات، كما أن لديها مجالات متميزة للتفوق التكنولوجي في السلاح والفضاء؛ والصين التي ليست لديها قوة اقتصادية جبارة فقط، ولكنها أيضاً القوة الواعدة من حيث معدلات النمو والتكنولوجيات الحديثة، فلأول مرة في التاريخ البشري، أصبح بمقدور الصين منافسة أميركا في بعض مجالات التطور التكنولوجي.
هذه حالة جديدة على العلاقات الدولية في التاريخ المعاصر، ليس فقط بسبب العدد الثلاثي، ولكن لأنها تأتي في ظروف مختلفة تاريخياً عما كان عليه الحال طوال القرن العشرين والبدايات الأولى للقرن الحالي. التطورات التكنولوجية أعطت للأطراف الثلاثة ما لم تعطه إلى دول وقوى أخرى، مثل الهند أو الاتحاد الأوروبي، الذي أضعفه الخروج البريطاني من الاتحاد، وضعف اقتصادات أساسية في الاتحاد، مثل إيطاليا وإسبانيا واليونان، فضلاً عن تراجع النزعة «الأوروبية» بين دول الاتحاد، وهو ما في مجموعه خلق ضغوطاً كبرى على ألمانيا وفرنسا، لا يعرف أحد متى يضيقون بها. ولكن ربما كانت أهم الظروف التي تميز هذه المرحلة، الظرف الخاص بتولي دونالد ترمب الإدارة الأميركية خلال هذه المرحلة، والتي ينتظر لها أن تمتد حتى عام 2024، عندما يحصل على فترة أخرى للقيادة الأميركية. كيف تتعامل دول العالم، وبالذات الدول العربية مع هذا الواقع الجديد؟ وهل تصلح الاستراتيجيات السابقة، مثل عدم الانحياز أو اللحاق بالغرب أو بالشرق، لهذه المرحلة المختلفة عما سبق؟
الأمر يحتاج أولاً الإدراك لحقيقة ما يحدث؛ وثانياً تحديد مصالحنا بدقة ووضوح؛ وثالثاً أن تجمعنا وتحالفنا العربي هو الذي يعطينا فرصاً أكبر، أياً كانت الاستراتيجية التي سوف نتبعها.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة