غزة حتى إشعار آخر

غزة حتى إشعار آخر

الجمعة - 8 شهر ربيع الأول 1440 هـ - 16 نوفمبر 2018 مـ رقم العدد [14598]
نبيل عمرو
كاتب وسياسي فلسطيني
تعاني غزة، وأغلب الظن أن هذه المعاناة ستتواصل حتى إشعار آخر، وذلك بفعل معادلة بائسة، أبرز نتائجها الفشل.
الانفجار الأخير للوضع أثبت أن الحلول الساذجة للقضية المعقدة تفضي بداهة إلى كوارث، وما أعنيه بالحلول الساذجة هو الرهان على خمسة عشر مليون دولار لسحب صاعق التفجير المثبت في أكثر من مكان على برميل البارود.
وأعني بالسذاجة كذلك أن أهل غزة المدججين بالسلاح والفصائل من مختلف الاجتهادات والمشارب، سينامون على حرير جنة موعودة تمتد من جزيرة قبرص إلى ميناء خيالي قد يقام على شاطئ غزة، وعشرات آلاف البنادق والصواريخ والألغام الفائضة عن عدد البشر، ستدفن في الأرض ما إن يحصل كل غزي على سبعة دولارات في الشهر من الأموال القطرية الشقيقة، التي وصلت في حقائب حملها على ظهورهم جنود «جيش الدفاع».
وأعني بالسذاجة كذلك، أن غزة بمن فيها ومن عليها، ستكون ممر صفقة القرن، فما أرخص الفاتورة والحالة هذه!
صحيح أن أطراف اللعبة الساذجة يملكون إمكانات مالية وتسليحية وحتى استراتيجية، ولكن طريقتهم جميعاً في التعامل مع الظاهرة الغزية تؤكد أن الذي يجري على مدى إحدى عشرة سنة، ليس عملاً جدياً يستحق البناء عليه والرهان على نتائجه؛ بل إنه أقرب إلى لعب الأولاد، مع عدم تحبيذي لهذا الوصف، لمأساة غزة واللاعبين على مسرحها.
في مقالاتي المتعددة في «الشرق الأوسط» حول غزة، لم أكن لأخفي تشاؤمي بعد كل حفلة نفاق تتحدث عن التهدئة، وعن جولة جديدة من جولات المصالحة.
كان بعض قرّائي يلومونني على التشاؤم، ويحاولون إقناعي بالتفاؤل، وفق قاعدة «تفاءلوا بالخير تجدوه».
الحقيقة حين تقال، حتى لو كانت مرة الطعم، تظل أفضل ألف مرة من اختراع التفاؤل دون مسوّغات منطقية. وإن جاز لي أن اجتهد بحل لمعضلة غزة، فهو بالتأكيد ليس بالاستمرار فيما تكرر من محاولات لشراء التهدئة في أمر الحرب مع إسرائيل، وشراء الوقت والوهم في أمر المصالحة الفلسطينية. فقضية غزة لن تحل بوصفها قضية قائمة بذاتها؛ بل من خلال حل سياسي جدي للقضية الفلسطينية، وما دام هذا الحل غير مطروح إلا من خلال وعود «صفقة القرن»، فكل ما جرى بشأن غزة وما سيجري، هو مجرد ملء فراغ ليس إلا، وخطورة ملء الفراغ بهذه الطرق الساذجة، تراكم ألغاماً في أحشاء القطاع البائس، لتنفجر إذا ما تأخرت حقيبة المال عن الوصول، وخطر ببال الاستخبارات الإسرائيلية أن ترسل فرقة بحث عن الأنفاق، أو خطر ببال فريق فلسطيني أن يحتفل بمناسبة تخصه، بإطلاق عدة قذائف على إسرائيل.
منذ قُتل الضابط الإسرائيلي في غزة، وقتل «الخليلي» في عسقلان، لا بد من أن الخطوط الحمراء الساخنة قد بدأت العمل، ولا جديد يتوقع سوى أن يقول المتقاتلون قولتهم المملة: «لا نريد حرباً، ومصلحتنا في التهدئة»، فيحمل الوسطاء هذه الجملة إلى الطرفين المعنيين، غير أن أحجية التهدئة ستظل بعيدة عن الأقوال؛ لأن الذي يحرك الأمور ليس قرارات منطقية، وخصوصاً على الجانب الإسرائيلي. ففي موسم الانتخابات - وكل أيام السنة موسم انتخابي في إسرائيل - تظل الحرب والتهدئة أسيرة لاستطلاعات الرأي، وفي هذا العام ولسوء حظ غزة أنها تتكرس كناخب رئيسي.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة