في أصل كتاب (القرآن والقتال)

في أصل كتاب (القرآن والقتال)

الأحد - 17 صفر 1440 هـ - 28 أكتوبر 2018 مـ رقم العدد [14579]
علي العميم
كاتب وصحافي سعودي
يقول الشيخ محمود شلتوت في مقدمة كتابه (الدعوة المحمدية والقتال في الإسلام): «من أيام قريبة كنت في قريتنا التابعة لمركز إيتاي البارود (بحيرة). وفي صبيحة يوم من تلك الأيام حضر عندي تاجر وجيه من تجار إيتاي البارود المتفقهين في دينهم، وقدم إلى مكتوباً يتضمن الاستفهام عن مسائل تتعلق بمشروعية الجهاد في الإسلام، وأنه كان في المعجزات التي يظهرها الله على أيدي الرسل ما يكفي الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم لإيمان الناس بدعوته، مع حفظ الأرواح وحقن الدماء. قرأت السؤال وتنبهت إلى أنه من نوع لم يعهد في بلاد القرى، إذ كان المعهود إلى وقتنا هذا أن القرويين إنما يسألون عن حوادث الطلاق والنذور والميراث وما إليها مما يرجع إلى خاصة أنفسهم أو إلى عبادتهم من صوم وصلاة. أما هذا النوع من الأسئلة التي لم نعهدها إلا في المدن ومن طائفة أخذت على عاتقها تشكيك المسلمين في عقائدهم الدينية وتشويه الدعوة المحمدية، هذا النوع لم يكن معروفاً عندهم ولا هو مما يخطر لهم على بال. قدرت كل هذا فسألته عن مبعث هذا السؤال، وعن الناحية التي أثارت عليهم غباره، فكان ما قدرته وصح ما توقعته، إذ أخذ يقول: إن في مركز كوم حمادة يقيم مبشر أو عريف - كما قال - وهو لا يفتأ يطوف في القرى والمراكز ويغشى المجالس ويلقي هذه الأسئلة بين الناس ثم يتحدث الناس بها كل في جهته، وكان من هذه المجالس مجلس ضم بعض المسلمين من رجال الإدارة فقابلني هؤلاء وسألوني عما أعرف في هذه المسألة. ولما لم يكن لي علم بها، وعدتهم بمقابلتك وتقديم هذا الاستفهام إليك».
إن هذه الحكاية التي رواها الشيخ شلتوت والتي كانت سبب تأليفه هذا الكتاب الصادر في عام 1933، وما نقلته عنه من قوله في كتابه (القرآن والقـتال) الصادر في عام 1948، في سبب تأليفه له: «إن للقتال في هذا الوقت شأناً واقعياً ملأ الدنيا وشغل الناس، وله في سائر الأوقات شأن نظري يلوكه كثير من أرباب الأديان في الطعن على الإسلام»، يصححان ما وهم فيها أستاذنا العزيز، رضوان السيد، وذلك عندما ذهب إلى أن هذا الكتاب كان هجوماً ورداً على ربط بعض المسلمين الجهاد بالكفر، وعلى تنامي هذا الاعتقاد عند المسلمين عبر قرن من الزمان.
وبإمكاننا القول استناداً إلى الحكاية التي رواها الشيخ شلتوت واستناداً إلى العنوان الذي جاءت تحته الحكاية، وهو (حركة التبشير وواجب المسلمين)، إن هذا الرد كان - بالدرجة الأولى - رداً على المبشرين المسيحيين. ويجب ألا ننسى في هذا السياق أن في الوقت الذي بدأت عناية الشيخ محمود شلتوت بهذا الموضوع كانت الحملات التبشيرية الغربية المتعددة التي كانت تستهدف مسلمي مصر وأقباطها على حدٍ سواء، قد بلغت ذروتها. ويجب ألا ننسى أيضاً، أنه في ذلك الوقت – أي عشرينات وثلاثينات القرن الماضي - كان قد نشأ في مصر اتجاه تشكيكي في الإسلام واتجاه إلحاد بالأديان كلها في أوساط الأدباء والمثقفين والمتعلمين تعليماً عصرياً من المسلمين. وهؤلاء هم الذين أومأ إليهم بأنهم من سكان المدن.
وفيما يخص المسلمين كان النشاط التبشيري الغربي يقوم على التشكيك والطعن في الإسلام بالقول إن المسيحية هي وحدها دين التسامح والإخاء والسلم والسلام.
يقول محمود شلتوت في كتابه (القرآن والقتال) في رد واضح على ذلك القول مخاطباً مرجع هؤلاء الجغرافي، أوروبا وأميركا: «وليعلم هؤلاء الذين يروعون العالم من وقت لآخر بحروبهم الفاتكة مقدار انحرافهم العملي عن دينهم الذي يعتقدون أنه دين السلم والسلام دون غيره من الأديان، وهل يقبل في نظر العقل أن الدين الذي يدعو إلى السلم، ويطلب إلى الناس تسخير ما وهب الله لهم فيما ينفع لا فيما يضر وفيما يعمر لا فيما يخرب، يرضى من معتنقيه أن يروعوا العالم هذا الترويع الذي يخلع القلوب، ويذيب الأفئدة. ويحول المدن العامرة إلى خراب، والمدنيات الراقية إلى فناء، والحضارات المزدهرة إلى دمار، بينما يقولون بألسنتهم، إن دينهم دين السلام، وإن غيره دين الحرب والنصال، قام بالسيف وأسس على الآخرة».
وقبل سنوات من نشوب الحرب العالمية الثانية التي أومأ إلى نتائجها وآثارها في كلامه السابق، واتخذ منها ومن حروب أوروبية سبقتها ومن حروب أوروبا الاستعمارية دليلاً واضحاً على تناقض أوروبا المسيحية وانحرافها عن الديانة المسيحية التي تدعو في أصل نشأتها إلى المحبة والسلام، أقول قبل نشوب تلك الحرب بسنوات، كان قد ألقى كلمة في الاجتماع التأسيسي للاتحاد المصري لأنصار السلام الذي عقد في قاعة ايوارت بالجامعة الأميركية في القاهرة مساء يوم الاثنين 22 مارس (آذار) عام 1933، هذه الكلمة كان عنوانها (الإسلام والسلام). ولقد دفعه محبوه ممن هم على خطه الفقهي التجديدي العصري من زملائه في الأزهر أن يضم تلك الكلمة، إلى حديث له عن مكانة المرأة في القرآن وحديث آخر عن تحديد النسل ويصدرها في كتاب واحد. ولقد صدر هذا الكتاب عام 1937 حاملاً عناوين ثلاثة هي: (القرآن والمرآة، وتحديد النسل في الشريعة الإسلامية، والإسلام والسلام). وقدم للكتاب مثقف عصري، هو محمد حسين هيكل، وشيخ أزهري، هو عبد اللطيف السبكي.
بغيتي من إيراد هذا المعلومة عن تلك الكلمة، أن أوضح أن الشيخ شلتوت كان مهموماً بإثبات قضية أن الإسلام دعوة سلمية وسلامية، وأن الجهاد في الإسلام ذو طبيعة حمائية دفاعية وليست توسعية هجومية. لدفع ما يقوله على نحو عام عنه في هذا الإطار، المبشرون المسيحيون، وعدد كبير من المستشرقين، والساسة والإداريون الاستعماريون.
في خاتمة فصل (آيات القتال) في كتابه (القرآن والقتال) عندما توقف عند الآية «قاتلوا الذين يلونكم...». لتوضيح المقصود فيها، وضع هامشاً كتب فيه ما يلي: «قد وقف من يقصد الكيد للإسلام عند ظاهر هذه الآية: (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار)، وزعم أن الدين الإسلامي يأمر بقتال الكفار عامة، حصل اعتداء منهم أم لم يحصل حتى يؤمنوا ويدينوا بالإسلام، قالوا: وقد استقر الحكم في الشريعة على هذا. الواقع أن المراد من كلمة الكفار في الآية ونظائرها...».
هذا الهامش الذي نقلت أوله، يؤكد بصورة قاطعة أن الشيخ شلتوت كان يناقش ويرد على المبشرين المسيحيين الغربيين وعلى عدد كبير من المستشرقين، يهوداً ومسيحيين، علمانيين ودينيين، الذين ربطوا الجهاد في الإسلام بالكفر، ولا يناقش ويرد - كما قال أستاذنا رضوان السيد - على مسلمين ربطوا الجهاد بالكفر في زمن الاستعمار الغربي وبسببه.
إن الذين ناقشهم من المسلمين الذين ربطوا الجهاد بالكفر، هم المفسرون القدامى. ولم يشر ألبتة إلى رأي فقهي معاصر له ولا حتى إلى رأي فقهي في القرون الإسلامية المتأخرة، يقول بذلك القول.
ففي دعوى نسخ آيات القتال أو آيات السيف لآيات العفو والصفح في القرآن، وهي الدعوى التي عالجها في الفصل الذي سماه (علاقة آيات العفو بآيات القتال) قسّم أصحابها إلى طائفتين: طائفة صنفها أنها من خصوم الدين الذين يتلمسون في القرآن الكريم مطعناً. وطائفة من المفسرين تحملهم - كما قال - غيرتهم الدينية على التوفيق بين ما يظن فيه تناقضاً مع غيره من آيات القرآن، فيجنحون إلى القول بنسخ بعض الآيات لبعض...
الطائفة الأولى، طائفة الخصوم، يعني بها المبشرين والمستشرقين. وقد حدد هدفهم من النظر في آيات القتال ومقارنتها بعضها مع بعض وفيما بينها جملة، ومقارنة هذه الآيات بآيات العفو والصفح، للوصول إلى أن هناك أنواعا من التناقض - كما يزعمون - لا يتفق معها أن يكون القرآن الذي جاء به محمد وحياً يوحى إليه من عند الله.
الطائفة الثانية يعني بهم المفسرين المسلمين القدامى، الذين وصفهم بأصدقاء القرآن وخدمته. هؤلاء يرى أنهم بسبب إسرافهم بالقول في نسخ بعض الآيات لبعض، قد مهدوا طريق الطعن لخصوم الدين والقرآن من حيث لا يدرون.
وقد أكد هذا الرأي مرة أخرى بعد أن استعرض أقوال المفسرين القدامى في نسخ آيات القتال لآيات العفو والصفح وردَّ عليها، فقال: «ولا يبعد أن يكون هذا الصنيع مهّد لخصوم الدين أن يقولوا بتناقض القرآن، إنهم لا يريدون النسخ الذي يدعيه أصدقاء القرآن، وكيف يقبلون دعواه منها في القرآن ومن علمائنا، من لم يقبله فيه؟!». إن كتاب (القرآن والقـتال) أصله موجود في كتابه الأقدم (الرسالة المحمدية والقتال في الإسلام). والاطلاع على الكتاب المتأخر لا يغني عن الاطلاع على الكتاب المتقدم، لأنه في الكتاب المتأخر والمطور والمزيد لم يورد كل ما قاله في كتابه المتقدم أو الكتاب الأصل، وإنما لخص بعض ما قاله فيه. والكتاب المتأخر والكتاب المتقدم يجب أن يوضعا ضمن كتابات الإسلاميين العصريين الإصلاحيين وكتابات الليبراليين في الدفاع عن الإسلام في مواجهة المبشرين والمستشرقين عبر خطاب دفاعي في مسألة الجهاد وفي مسائل أخرى. وهي الكتابات التي تكثفت في مصر منذ ثلاثينات القرن الماضي، ويجب ألا يوضع الكتاب المتأخر في إطار مناسبة توهمها أستاذنا الكبير، مناسبة لا أصل لها في مصر ولا في العالم العربي في عصر الاستعمار الأوروبي. وللحديث بقية.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة