«بريكست» بين معسكري القنافذ والثعالب

«بريكست» بين معسكري القنافذ والثعالب

الأربعاء - 13 صفر 1440 هـ - 24 أكتوبر 2018 مـ رقم العدد [14575]
حظيت القمة التي عقدها الاتحاد الأوروبي، الأسبوع الماضي، بخصوص «بريكست» باهتمام واسع، رغم أنها لم تحمل أنباء جديدة تذكر. ومن أجل استيعاب السبب وراء الجمود الشديد الذي تعانيه المحادثات على هذا الصعيد، ربما من المفيد استعارة صورة ذكرها وزير شؤون «بريكست»، دومينيك راب.
عندما التقى راب، الذي كان قد تولى منصبه حديثاً وقتها، مع كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي بخصوص «بريكست»، ميشال بارنير، للمرة الأولى منذ ثلاثة شهور، أعطاه نسخة من مقال أشعيا برلين الشهير الذي يحمل عنوان «القنفذ والثعلب». وفي المقال، اقتبس الكاتب عبارة قالها الشاعر اليوناني أرخيلوخوس: «الثعلب يعلم كثيراً من الأمور، لكن القنفذ يعلم أمراً واحداً بالغ الأهمية».
ولم تكن تلك محاولة للتذاكي من جانب راب، الذي كان هو نفسه من أنصار الانفصال عن الاتحاد الأوروبي أثناء فترة الاستفتاء. ومن خلال هذه العبارة، شبه راب الاتحاد الأوروبي بالقنفذ إلى جوار الثعلب البريطاني.
بيد أن هذا التمييز أكثر نفعاً بكثير لفهم الانقسامات القائمة داخل المملكة المتحدة ذاتها التي تجعل من العسير للغاية توقع ما إذا كانت وكيف ستحصل رئيسة الوزراء تيريزا ماي على اتفاق انفصال عن الاتحاد الأوروبي عبر البرلمان. وتبقى هذه الانقسامات سبباً رئيسياً وراء حقيقة أن الخبر الوحيد الذي خرج من بروكسل، الأسبوع الماضي، كان طرح فترة انتقالية مطولة قبل رحيل بريطانيا بصورة كاملة عن الاتحاد الأوروبي.
من ناحية أخرى، نجد أنه داخل الإطار السياسي للمملكة المتحدة، فإن معسكر القنافذ يشير إلى أولئك الساعين لإعاقة الوصول إلى اتفاق، أو إمكانية حصول مثل هذا الاتفاق على موافقة برلمانية. أما الثعالب، فيبدون قدراً أكبر من الاستعداد لقبول المساومات، بمعنى أنهم هم من يضطلعون بالتفاوض، لكن لا يزال لزاماً عليهم إقناع القنافذ باتفاق نهائي.
والآن، ما الأمر الأهم على الإطلاق الذي يعلمه القنافذ فيما يخص «بريكست»؟ بالنسبة لبوريس جونسون أو جاكوب ريز موغ، فهو السيادة، أو استعادة السيطرة. وبالنسبة لهؤلاء، فإن أي اتفاق «بريكست» يترك البلاد بلا سيطرة كاملة على قوانينها وحدودها سيكون غير مقبول.
وبالنسبة للحزب الديمقراطي الوحدوي بقيادة أرلين فوستر، حزب شمال آيرلندي صغير يدعم ممثلوه الـ10 داخل البرلمان حكومة ماي، فإن الاتحاد الحقيقي هو ذلك الذي يضم بريطانيا العظمى وشمال آيرلندا، وليس الاتحاد الأوروبي.
ويجعل ذلك الموقف الحزب معارضاً على نحو ضمني لأي اتفاق من شأنه ترك الحدود مفتوحة مع آيرلندا، لكن يتطلب إجراء فحوصات تنظيمية أو تتعلق بالجمارك في مناطق أخرى داخل الأراضي البريطانية. ومن شأن ذلك انتهاك وحدة أراضي المملكة المتحدة المنصوص عليها في الدستور.
وهناك قنافذ أخرى مهمة فيما يتعلق بـ«بريكست»، مثل جيريمي كوربين، زعيم حزب العمال المعارض. نظرياً، كان يطالب بالبقاء في الاتحاد الأوروبي أثناء استفتاء 2016، لكنه لم ينظم أي حملات بحماس في هذا الاتجاه ولطالما أبدى شكوكه إزاء الاتحاد الأوروبي. ومن المحتمل أن يكون البقاء داخل الاتحاد الأوروبي غير متوافق مع خططه لتأميم قطاعات من الصناعة البريطانية. ويبقى الأمر الأهم بالنسبة له خوض انتخابات جديدة ترفع حزب العمال إلى موقع السلطة.
ولهذا السبب نجد أن حزب العمال، الذي يمثل عنصراً محورياً لتمرير أي اتفاق عبر البرلمان، يتحلى بهدوء شديد حول إمكانات عدم التوصل إلى اتفاق، ذلك أنه ينظر إلى الأمر باعتباره ليس معركة تخصه.
إلا أن هذا لا يعني أن جميع مشرعي حزب العمال ينتمون إلى معسكر القنافذ، بل على العكس يضمون في صفوفهم كثيراً من الثعالب، مثل فرنك فيلد وكيت هوي وغراهام سترينغر. وقد سبق أن أنقذوا الحكومة فيما يتعلق بمشروعي قانون محوريين على صلة بـ«بريكست» في وقت سابق من العام الحالي، والملاحظ أن أعدادهم في تزايد. في الواقع، قد يكون عدد الثعالب داخل حزب العمال قد فاق عدد القنافذ، ومن هنا يتضح السبب وراء مساعي ماي في الفترة الأخيرة للتودد إلى أعضاء البرلمان التابعين للحزب والناخبين المؤيدين له.
والملاحظ أن رئيسة الوزراء تزداد ارتباطاً بمعسكر الثعالب يوماً بعد آخر، على النحو الذي قصده برلين. وجاء خطابها خلال مؤتمر الحزب هذا العام، في محاولة لإيجاد أرضية مشتركة على الصعيد السياسي البريطاني، ليعكس توجهاً ثعلبياً خالصاً، على النقيض من الخطاب الذي ألقته عام 2016 الذي قالت فيه: «إذا كنت تظن أنك مواطن عالمي، فإنك مواطن لا ينتمي لأي مكان».
إلا أنه بالنسبة لماي، التي تميل نحو البقاء داخل الاتحاد لكن تبدي تردداً حيال ذلك، فإن التعامل مع القنافذ سبب لها مشكلات جمة. وقد سارعت نحو تفعيل المادة 50، لتطلق بذلك عملية تفاوض تستمر عامين، دون توافر فكرة واضحة حول ما ترغب بريطانيا في الوصول إليه نهاية الأمر. وحاولت استرضاء القنافذ من جديد عبر خطاب صارم ألقته في «لانكستر هاوس» في يناير (كانون الثاني) 2017 قطع الطريق أمام كثير من خيارات «بريكست» الأقل حدة. وعندما وافقت على خيار الحاجز الخلفي الآيرلندي، في ديسمبر (كانون الأول) - الذي من شأنه تأسيس نقطة جمارك حدودية داخل المملكة المتحدة إذا لم يجرِ التوصل إلى سبيل لتجنبها - وعدت القنافذ بأن هذه النقطة ستكون مرتبطة بفترة زمنية محددة وأن هذا لن يحول دون إبرام المملكة المتحدة اتفاقات تجارية خاصة بها.
من ناحيتهم، يواجه الثعالب مشكلتين كبريين في منع المملكة المتحدة من الانفصال عن الاتحاد الأوروبي دون وجود اتفاق انسحاب؛ أولاهما أنهم لا يشكلون مجموعة متناغمة، فبعض منهم كان من أنصار الانفصال بينما هناك فريق آخر كان يؤدي البقاء، ولأسباب مختلفة. ثانياً أن تفكيرهم لا يمكن إيجازه بسهولة، فهم يتمسكون بترديد مقولة: «إننا نرغب في نتيجة تحترم إرادة الـ52 في المائة الذين صوتوا لصالح (بريكست)، وتوفر طمأنينة للشركات ولا تضر بالاقتصاد»، دون أن يقدموا تفسيراً محدداً لما يعنيه ذلك.
وبالنظر إلى الميزة التي يتمتع بها معسكر القنافذ في معركة «بريكست»، لا يبدو الوضع جيداً بالنسبة لماي. وتواجه ماي اليوم خلال الأسابيع المتبقية قبل نفاد الوقت المتاح ضرورة كسب تأييد كافٍ لتمرير اتفاق، ما يعني جذب مزيد من القنافذ وتوحيد صفوف مزيد من الثعالب.
ومن أجل حدوث ذلك، يتعين على الثعالب الحصول على أمر واحد مهم بالنسبة لهم: اتفاق «بريكست» منظم. وسيتعين ضمان شعور القنافذ بالمسؤولية إزاء النتيجة، خصوصاً بالنظر إلى اهتمامهم الكبير بفكرة المحاسبة.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة