الفأر يدخل المصيدة

الفأر يدخل المصيدة

الثلاثاء - 6 صفر 1440 هـ - 16 أكتوبر 2018 مـ رقم العدد [14567]
داود الفرحان
كاتب عراقي
بموافقة إيران على الانضمام إلى اتفاقية «مجموعة مراقبة العمل المالي الدولية»، بعد تراجع المرشد الإيراني علي خامنئي عن معارضته هذا الأمر، يكاد الفأر يدخل المصيدة. فليس سراً أن طهران تتولى عبر ذراعها الإرهابية «الحرس الثوري» تمويل كل الميليشيات التي يقودها «فيلق القدس» في العراق ولبنان وسوريا واليمن والبحرين وأفغانستان.
وكان وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف صريحاً حين قال خلال جلسة التصويت على الانضمام يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي إنه «لا الرئيس حسن روحاني ولا أنا يمكننا ضمان أن الانضمام إلى الاتفاقية قد يحلّ المشكلات (المالية)، لكنني أضمن أن عدم الانضمام قد يقدم ذرائع مهمة للإدارة الأميركية لزيادة المشكلات». ومن جانبهما ضغطت موسكو وبكين على النظام الإيراني للانضمام إلى الاتفاقية قبل بدء المرحلة الثانية من العقوبات لأنهما لا يمكنهما التعاون مع إيران إذا رفضتها.
الإدارة الأميركية اتخذت قرارها بأن يكون يوم 4 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل موعداً نهائياً لبدء المرحلة الثانية من عقوباتها ضد النظام الإيراني. وكانت المرحلة الأولى من العقوبات إنذاراً أميركياً للشركات الدولية المستثمرة في القطاع الصناعي الإيراني. ويتوقع الخبراء تفاقم الأزمة الاقتصادية الإيرانية، وهو ما دعا متظاهرين إيرانيين إلى المطالبة بإيقاف تمويل طهران لمناصريها في بعض الدول العربية. ويسعى المرشد الإيراني إلى دور عراقي أكثر «ميكافيلية» لإسناد نظام ولي الفقيه في مواجهة العقوبات الأميركية التي هددت بمعاقبة أي دولة تلتف على الحصار، وهو الأمر الذي أدى إلى موجة نزوح الشركات الأجنبية العاملة في إيران وبينها شركات أوروبية ويابانية وهندية.
وعملياً فإن الحرس الثوري الإيراني يمكن أن يكون كبش الفداء الأكبر في هذا الحصار وهذه العقوبات، لأن الاتفاقية تركز على منع تمويل الإرهاب خارج الحدود الإيرانية سواء عن طريق محفظة الدولار المباشر أو غسل الأموال أو عمليات تهريب النفط والأسلحة مباشرة أو بواسطة طرف ثالث قد تكون تنظيمات عراقية غير حكومية.
إلا أن المادة 27 من الاتفاقية تمنح إيران وكل الدول المنضمة إلى الاتفاقية خيار الانسحاب منها بإشعار تحريري يوجه إلى الأمين العام للأمم المتحدة. ويصبح الانسحاب سارياً عند انقضاء سنة واحدة على تاريخ وصول الإشعار إلى الأمين العام. وعندها لكل حادث حديث.
وإذا كانت إيران قد فضلت في اللحظات الأخيرة حل الانضمام إلى اتفاقية «فاتف» فهي اختارت الحل الأقل سوءاً، وأمامها درس العراق في التسعينات من القرن الماضي حين نقلت الولايات المتحدة العقوبات إلى منصة الأمم المتحدة لاستصدار قرار فرض الحصار الشامل عليه تحت سلطة البند السابع من الميثاق.
طبعاً إن إيران لن تعدم وسيلة، أو وسائل، لخرق العقوبات الأميركية، ولديها خبرة كافية ودروس دولية مشابهة لإيجاد بدائل غير مشمولة بالعقوبات، إلا أن هذا الأمر لا يغيب عن بال الأميركيين الذين سبق أن طرقوا باب «الحصار» الشامل أو المحدود على دول أو شخصيات تلتف على طوق العقوبات. وفي هذا الصفّ من الدول تجد دولاً فقيرة مثل زيمبابوي وميانمار والكونغو الديمقراطية والسودان والمكسيك وكوبا وكوريا الشمالية وبعض جمهوريات الموز، إلى جانب دول ميسورة مثل العراق وروسيا وإيران نفسها وليبيا القذافي وفنزويلا تشافيز وباكستان وروسيا والصين وغيرها.
والعالم يعرف أن الهواية المفضلة للرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب هي البحث عن عقوبات يفرضها بمناسبة أو من دون مناسبة على دول ليس بينها وبين أميركا أي خلاف أو عداء، جنباً إلى جنب مع دول رافضة للإدارة الأميركية. ولواشنطن تجارب عقوبات مع منظمات دولية كالأمم المتحدة واليونيسكو و«الأونروا» وسياج الحدود مع المكسيك والتجارة مع كندا والاتحاد الأوروبي والصين واليابان ومنع جنسيات معينة من دخول الأراضي الأميركية. ولسنا في مجال توصيف هذه العقوبات، لكنها قد تجتمع كلها معاً في الملف الإيراني من النفط إلى الفستق مروراً بالسجاد وتأشيرات السفر والإقامة ونقل التكنولوجيا.
الوضع في إيران ليس بساطاً سندسياً ولا سجادة كاشان. ونحن لن نلجأ إلى تعبيرات فقدت معانيها من نوع الانهيار أو الانتحار أو الترنح أو الاهتزاز أو الاختناق أو حتى فقدان الوعي. لكن هذه العقوبات الأميركية، لو نُفذت بحذافيرها يمكن أن يكون لها تأثير فوري على ثالث أكبر منتج نفط في منظمة أوبك وواحد من أقوى الجيوش في الإقليم وسرطان خبيث في المنطقة.
نحن مقبلون على شتاء ساخن، والمسرح الدولي كامل العدد، وعلى الولي الفقيه الإيراني أن يفهم أن ولايته لا تعني استباحة دول الجوار بالإرهاب والميليشيات والطائفية وتهريب الأسلحة والمخدرات والعملات المزورة. لقد وصلت الأمور الاقتصادية المنهارة بالنظام الإيراني إلى المتاجرة بالفحم الصومالي الممنوع من البيع والشراء دولياً بعد أن يضعوا عليه عبارة «صنع في إيران» وإعادة تصديره. حتى قراصنة الصومال الذين تحولوا من الاستيلاء على بواخر الشحن الدولية إلى تجارة الفحم لم يفلتوا من الأصابع الإيرانية!

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة