الأحادية والتعددية!

الأحادية والتعددية!

الخميس - 26 ذو الحجة 1439 هـ - 06 سبتمبر 2018 مـ رقم العدد [14527]
حسين شبكشي
اعلاميّ ورجل اعمال سعوديّ وعضو مجلس ادارة شركة شبكشي للتّنميّة والتّجارة وعضو مجلس ادارة مؤسّسة عُكاظ للصّحافة والنّشر
هناك اتجاه تصاعدي واضح في أكثر من دولة حول العالم لا يمكن تفسيره إلا بالإقصائية الفجة والعنصرية العنيفة. إنه صراع الأفكار للبقاء ما بين المجتمعات الأحادية والمجتمعات التعددية. مجتمعات تعتقد بوجود عرق أنقى وأسمى أو مبادئ أعلى فتنتقص من غيرها تماماً إما بالتخوين وإما بالتكفير، ومجتمعات تعتقد أنها بالتنوع تتسع قدراتها وتزداد قوة.
من السهل الإشارة إلى الكثير من الأمثلة في العالم اليوم للاستشهاد بالنوعين من المجتمعات المعنية. ولكن سيكون هذا الاستشهاد أعمق وأهم وذا مدلول أكثر غزارة إذا ما تمت المقارنة بين دولتين في العالم الإسلامي نفسه اليوم، وتحديداً ماليزيا وإندونيسيا.
ماليزيا التي قررت الانفتاح بكل ثقة على العالم، فضمت في شعبها تنوعاً عظيماً يشمل المالاي والصينيين والهنود والعرب والإنجليز والهولنديين، شاملة الأديان كافة من مسلمين ومسيحيين وهندوس وبوذيين وغيرهم، وفّر كل ذلك ذكاءً وعطاءً وتثقيفاً ثرياً ومتنوعاً، وولّد هذا الالتحام الاجتماعي نوعاً جديداً من الذكاء الاجتماعي، وولّد أيضاً منافذ بيع للمنتجات والخدمات غير معهودة مما جعل التصدير من ماليزيا يفوق استيرادها بأكثر من 30 في المائة، وتبلغ نسبة المسلمين في ماليزيا 40 في المائة والبقية متنوعة عرقياً ودينياً ومذهبياً في دولة يبلغ عدد السكان فيها 31 مليون نسمة، وعدد القوى العاملة فيها 15 مليوناً، ويبلغ إجمالي الناتج المحلي 400 مليار دولار، ونسبة السكان الذين يقبعون تحت خط الفقر 0.6 في المائة، وتبلغ المؤسسات التعليمية الجامعية أكثر من 500 من الناحية العددية.
وإذا قارنا ماليزيا بأكبر دولة إسلامية وجارتها في جنوب شرقي آسيا وهي إندونيسيا، فالأرقام تتحدث بما فيه الكفاية؛ تعداد سكانها 261 مليون نسمة، إجمالي القوى العاملة 126 مليوناً، ويبلغ الناتج المحلي تريليون دولار ونسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر 10 في المائة ونسبة «المهددين بالفقر» 40 في المائة من السكان. فبالتالي بحسبة سهلة وبسيطة من «المفروض» أن يكون إنتاج إندونيسيا ثمانية أضعاف ما تنتجه ماليزيا أي ثلاثة تريليونات دولار. ولعل هذه الأحادية في المجتمع الإندونيسي قد تفسر انتشار التطرف فيها. ولعل أيضاً هذا الذي يفسر ثراء المجتمعات التعددية ونموها واندثار المجتمعات الأحادية، مثل اندثار الاتحاد السوفياتي على سبيل المثال، وهو المجتمع المبني على أحادية مطلقة أو حالياً مثل كوريا الشمالية وإيران اللتين ينطبق عليهما الأوصاف نفسها.
والحضارة الإسلامية التي تكونت من نبي «عربي»، وصحابة فيهم «حبشي» و«رومي» و«فارسي»، وسُنّة رواها «بخاري»، وبطولات حققها «كردي»، وعلوم أنجزها «خرساني»، فقدت تقدير التنوع اليوم وباتت ذات روح إقصائية. فكرة المجتمعات الأحادية والتعددية تطرق لها باقتدار العالم الإسلامي الدكتور محمد شحرور الذي يقدم فلسفة جديدة ومهمة لتوضيح الفارق بين المجتمعات الأحادية التي وصفها بالقرى، والمجتمعات التعددية التي وصفها بالمدن، وذلك في تحليل بديع ومغاير ومنفتح.
الأمم والمجتمعات التي تنغلق على نفسها وتتشدد هي مجاميع خائفة وقلقة ومذعورة من الآخر ولديها مشكلة ثقة بالنفس بلا شك. أميركا تفوقت على بريطانيا لأنها «انفتحت» على العالم وضمته إليها بدلاً من الاستعمار التقليدي الذي ولّد طبقية وعنصرية وتمييزاً، كان هذا هو توجه العالم الجديد، الترحيب بالعالم «عندهم» فحصلوا على أهم الكفاءات والعقول والمال والأفكار، فتولدت وبقوة المجتمعات التعددية الجديدة على حساب المجتمعات الأحادية.
شعوب وقبائل لتعارفوا، وليس لتتفاضلوا أو لتتمايزوا... حكمة لم يعرفها إلا القليل واستفاد منها الأقل.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة