ما هو أكبر من معركة إدلب وأبعد منها

ما هو أكبر من معركة إدلب وأبعد منها

الأحد - 22 ذو الحجة 1439 هـ - 02 سبتمبر 2018 مـ رقم العدد [14523]
إياد أبو شقرا
كاتب صحافيّ ومحلّل سياسيّ وباحث في التّاريخ، يعمل في صحيفة الشّرق الأوسط منذ تأسيسها
تجمع التقارير على أن المعركة المرتَقَبة في محافظة إدلب ستكون خاتمة «الحرب» السورية، وبداية «تعافي» سوريا.
ربما يكون ذلك صحيحاً. ولكن حول موضوع نهاية الحروب، أودّ العودة إلى قصة حقيقية طريفة عن سائق سيارة الماريشال الفرنسي الشهير فردينان فوش، القائد العام للقوات الحليفة إبان الحرب العالمية الأولى.
القصة أن أهالي قرية السائق، واسمه إميل، كانوا يعانون كغيرهم من الفرنسيين من تلك الحرب المدمّرة، وكانوا يعدّون الأيام، بل الساعات، على انتهاء عذاباتها. وكان المصدر الوحيد للأخبار عند هؤلاء المساكين «المسيو إميل» سائق القائد العظيم - وكان يومذاك برتبة جنرال - إذ كانوا ينتظرون على أحرّ من الجمر مجيئه إلى القرية لتفقد أوضاع أسرته في إجازات قصيرة خاطفة.
وفور وصوله كانوا يتوافدون على بيته المتواضع ويبادرونه بالسؤال، وبلهفة: «ما هي الأخبار؟ هل سمعت من الجنرال أي خبر؟ هل قال شيئاً عن الحرب؟ هل يتوقع موعداً لنهايتها؟»... ولكن في كل مرة كان إميل يخيّب آمالهم فيجيب: «لا... لم أسمع شيئاً من سيدي الجنرال».
ومرَّت الأيام ثقيلة مؤلمة، حتى حلّ يوم جاء فيه إميل في إجازة، وتوافد أهالي القرية على بيته لطرح سؤالهم المعتاد. هذه المرة صعقهم إميل بقوله: «نعم... نعم... قبل بضعة أيام تكلم الجنرال!»... ولكن قبل أن يسألوه عمّا قاله، تابع السائق: «لقد سألني: يا إميل، بربّك قُل لي: متى ستنتهي هذه الحرب؟!».
خلاصة القول إن نهايات الحروب في علم الغيب. وكم من حرب طالت وتشعّبت معطياتها بعدما تقاطعت فيها مصالح عديدة، واختلفت طبيعة تحالفات المتحالفين، واختل ميزان القوى بين الكبار الذين كانوا يغذّونها أو يدعمون أطرافها.
والواقع أن معظم الأحداث التي شهدتها منطقة المشرق العربي منذ ولادة الكيانات الحالية عام 1920، وبتركيز أكثر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 - عندما استقل معظمها عن الانتدابات الأجنبية - تركت ذيولها ومسبّبات حروبها حتى يومنا هذا.
في منطقة «الهلال الخصيب»، تحديداً، التي باتت لقمة سائغة وحلبة نزاع بين ثلاث قوى إقليمية، تقف خلفها قوتان عالميتان، «الغائب» الوحيد عن القرار هو صاحب الأرض الذي يفترض به أن يكون صاحب القرار. نعم، شعوب المنطقة هُم هذا «الغائب»، ولا أقول «المغيَّب»، لأن بعضها ارتضى أن يخدم مشاريع الآخرين... ويغلّب مصالحهم على مصالحه.
في هذه الساعات الحرجة من عُمر المنطقة، ثمة «حروب» سياسية وميدانية وديموغرافية تُخاض في أقطار المشرق العربي، كلها لها رواسبها القديمة التي يجري استنهاضها عند الحاجة، إما من أجل التحشيد العاطفي والميداني، أو إضفاء «شرعية» وهمية لاستحضار العداوات والأحقاد وإراقة الدماء وتغيير الخرائط وتهجير الناس.
عام 1920 شهد رسم حدود العراق وسوريا و«لبنان الكبير»، أي لبنان بحدوده الحالية. وداخل هذه الكيانات حاولت الطبقات السياسية العمل باتجاهين: تعزيز مواقعها في السلطة، وبناء «ثقافة سياسية» تخدم المواقع السلطوية التي تناسبها.
كما نعرف، كانت البداية مع الإقطاع السياسي والعشائري الذي برز منذ عام 1920. وظلَّت شخصيات الإقطاع السياسي والعشائري تتصدّر المشهد حتى أواخر عقد الثلاثينات من القرن الماضي، عندما أخذ المشهد السياسي في أوروبا يتبدّل مع تحدّي ألمانيا النازية وروسيا السوفياتية القوتين الأوروبيتين المنتدبتين إقليمياً... بريطانيا وفرنسا.
بالتوازي، ظهر في المشرق العربي، وبالأخص بعد انكشاف «إعلان بلفور»، استقطاب بين مناصرين لألمانيا النازية ومناصري الانتدابين البريطاني والفرنسي، كما ظهرت بواكير الحركات اليسارية. ولم ينتهِ هذا الاستقطاب إلا بإسقاط ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق (1941) ثم هزيمة النازية (1945)، وولادة دولة إسرائيل (1948).
وكان لا بد لولادة إسرائيل أن تُحدِث تغييراً في تركيبة الطبقات المهيمنة على المشهد الوطني في المنطقة لمصلحة «العسكر». إذ كانت الباكورة بدء مسلسل الانقلابات العسكرية السورية عام 1949، الذي عكس في جزء منه تبدّل ميزان القوى في الغرب أيضاً، وصعود الولايات المتحدة على حساب بريطانيا وفرنسا، وبروز الاتحاد السوفياتي «قطباً منافساً» ووارثاً التراث القومي - الأرثوذكسي «المسكوبي» في المشرق، وهو ما تأكد لاحقاً في «حرب السويس» عام 1956. وهكذا بحلول مطلع الستينات من القرن الماضي دخلت المنطقة كلها، بل العالم أجمع، مرحلة «الثنائية القطبية» بين واشنطن وموسكو. بين الرأسمالية وخصمها الآيديولوجي... الاشتراكية.
في هذه الأثناء تغيّر الكثير في المشرق.
تركيا «الأتاتوركية» العلمانية كانت جزءاً من حلف شمال الأطلسي (ناتو) ضد «جارها» وعدوّها القديم روسيا، وعضواً مؤسساً في «الحلف المركزي» (حلف بغداد سابقاً) الراحل في وجه المشروع «القومي العربي». وإيران «البهلوية» الشاهنشاهية أيضاً كانت علمانية وغربية الميول وعضواً مؤسساً في «الحلف المركزي». أما إسرائيل - الاشتراكية سابقاً - فكانت قد بدأت تدريجياً مسيرة التحوّل في هوية نخبة السلطة، بعيداً عن الأحزاب العمالية الصهيونية والنقابات العمالية القوية... باتجاه تحالف الجماعات التوراتية وجنرالات الجيش و«مافيات أموال» المهاجرين، وانتهاءً بإقرار «قانون الدولة القومية»!
نهاية «الحرب الباردة» بسقوط البديل الاشتراكي السوفياتي أنهضت تيارين قويين في مختلف أنحاء العالم هما: التيار الديني، والتيار القومي - العرقي. وحقاً، شهدنا ذلك في العالم العربي كله، كما شهدناه في تركيا وقبلها في إيران... بل حتى في الهند، كبرى ديمقراطيات العالم، ثم في «انقلاب» الديمقراطيات الغربية في أوروبا والولايات المتحدة على «العولمة»، وأحياناً حتى على «العلمانية».
اليوم، من المفيد تذكّر هذه الخلفية عندما ننظر إلى تعثر التجربتين «الديمقراطيتين» في العراق ولبنان اللذين يعيشان عملياً تحت سطوة «ملالي» إيران العسكرية والأمنية، وإلى «معركة تصفية» الثورة السورية، التي تقودها روسيا.
من المفيد تذكرها عندما ننظر إلى الصمت الأميركي على ما تفعله القيادة الليكودية في إسرائيل، وإلى مسلسل «التآمر» على الشعب السوري، وإلى إشكالية علاقات واشنطن مع كل من السلطتين الحاليتين «الإسلاميتين» في طهران وأنقرة، وإلى هشاشة كيانات «عربية» توهّمنا طويلاً أنها كانت «مستقلة» و«متجانسة» تتوافر لدى شعوبها رغبة حقيقية في التعايش.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة