الموهبة في المعدة

الموهبة في المعدة

الجمعة - 20 ذو الحجة 1439 هـ - 31 أغسطس 2018 مـ رقم العدد [14521]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
من أظرف الأدباء الذين استمتع بهم الفرنسيون في القرن التاسع عشر كان الكاتب الروائي والمسرحي الشهير ألكساندر دوماس، اشتهر عند الكثيرين بقفشاته أكثر مما اشتهر به من أعماله الأدبية التي اتهموه فيها بأنه كان يستكتب فيها رجلاً أسود اسمه ماكيه. وراحوا يتقولون عنه الكثير في ذلك.
وفي إحدى جلساته الأدبية انطلق كعادته في سرد الحكايات الطريفة والملح النادرة. وبعد أن أغرق الجميع بالضحك، توقف وقال لهم: إنكم تتصورون أن من أغرقكم ضحكاً بكل هذه الحكايات كان أنا، ولكنكم مخطئون. كان ماكيه!
وكان مغرماً بالضحك وكل ما يضحك حتى ولو كان في رواياته التي كتبها هو. وقيل إن ابنه كان يتصور أباه مستغرقاً في النوم في إحدى الليالي. وإذا به ينفجر فجأة بالضحك ويصرخ: «كم هو مضحك! يا الله، كم هو مضحك». ونظر ابنه فوجده يقرأ فصلاً من روايته الأخيرة. ومضى ألكساندر دوماس ليفسر شعبية أعماله فقال: أتدري لماذا لا تبعث كتبي على السأم أبداً؟ لأنني على خير ما يرام من الناحية الصحية. فالموهبة هي في المعدة، والكبد إلى حد ما».
نعم! مرة ثانية، الفرنسيون وجنونهم بمشكلات الكبد!
ولكن هذا الأديب ظل يتمتع بأحسن صحة حتى في كبره. وفي يوم ميلاده الستين، زاره صديق ليهنئه وقال له: إنك تعود شاباً كلما تقدمت في العمر. فأجابه دوماس: «لقد قضيت زمناً طويلاً لأستعيد الشباب».
وخلال تقديم إحدى مسرحيات إميل أوجيه، كان دوماس جالساً قرب الكاتب، فلاحظ رجلاً نائماً بين النظارة فقال لزميله: «انظر إلى تأثير مسرحيتك على الناس!».
سمع ذلك أوجيه فسكت صاغراً. وبعد أيام ذهب الزميلان لمشاهدة مسرحية أخرى من تأليف ألكساندر دوماس، فأجال إميل أوجيه النظر في الصالة أثناء العرض ولمح مشاهداً نائماً. فسارع وقال لزميله: «انظر هو ذا مشاهد نائم». فأجابه الأديب الساخر: «نعم. وأعرفه جيداً. إنه نفس الشخص الذي دللتك عليه في ذلك المساء. ما زال نائماً بتأثير مسرحيتك!».
وكان هذا الأديب من أكثر الناس تفانياً في العمل. وعرف عنه أنه كان يقضي 12 ساعة كل يوم في الكتابة. وسألوه يوماً، كيف يستطيع أن يواصل هذه الجهود يوماً بعد يوم. فقال: «ولماذا العجب؟ ليس عندي عمل آخر».
وقد عرف عنه أنه كثيراً ما كان يتناكد مع ابنه الذي كان يحمل اسمه أيضاً، ويشتغل بنفس المهنة الأدبية. وفي إحدى مجادلاتهما قال الابن لأبيه: «إنني راسخ متين كشجرة السنديان». فأجابه والده: «افتح إذن يا ألكساندر باب المطبخ، لكي يصل بعض الهواء لحديقتك».
وطلبت منه فرقة الكوميدي فرانسيز الشهيرة أن يقرأ إحدى مسرحياته أمام الجمهور. ولكن الأديب الماكر اعتذر عن ذلك وقال: «إنني أفضل أن أقرأ مسرحية كتبها سواي. فإذا ما نجحت أرضيت بذلك غروري كقارئ جيد. أما إذا فشلت فسأرضي حقدي ضد ذلك الزميل الكاتب!».

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة