نصيحة إلى الباحثين: اعترفوا بما لا تعرفونه

نصيحة إلى الباحثين: اعترفوا بما لا تعرفونه

الجمعة - 19 ذو الحجة 1439 هـ - 31 أغسطس 2018 مـ رقم العدد [14521]
تكون الأبحاث في مجالات العلوم، أو الطب، أو الاقتصاد، أقيم ما تكون عندما تتخلص تماماً من التحيز، وعندما يصرح الباحثون بكل أمانة بمحددات نتائجهم. وتعد تلك الأبحاث أقل قيمة واعتباراً إذا بلغت حد المبالغة فيما هو معروف، وتزعم بلوغ «حد اليقين» أو الدقة الزائدة عن الحاجة، في محاولة لكسب الحجة أو إقناع الآخرين. وهذا يحدث كثيراً بطبيعة الحال؛ فالباحثون لم يخرجوا عن أنهم من بني البشر.
ولكن أين تقع المشكلة بحدها الأقصى؟ لما يربو على عقد من الزمان، ظل الخبير الاقتصادي تشارلز مانسكي، من جامعة نورث ويسترن، عاكفاً على دراسة هذه المسألة، والتي يشير إليها في أبحاثه باسم «إغراء اليقين المذهل». وفي ورقة بحثية أخيرة، يشير البروفسور مانسكي إلى أنها أبلغ ما تكون انتشاراً في مجال عمله؛ الاقتصاد. ويبدو أن المشكلة نابعة من الرغبة الشديدة في طرح الادعاءات الراسخة حول الأمور ذات العلاقة بالسياسة، حتى عندما لا تكون هناك أدلة حقيقية وجيدة لدعم تلك الادعاءات.
وهناك بعض الأمثلة الأكثر اعتباراً من سواها. في تقرير صادر عام 2015، وحاز كثيراً من انتباه مختلف وسائل الإعلام؛ زعم خبراء الاقتصاد من «ائتلاف كوبنهاغن المناخي» أن السعي لتحقيق أهداف مؤتمر باريس المناخي من شأنه أن يرجع بفائدة تقدر بأقل من دولار واحد لكل دولار يتم إنفاقه. وفي المقابل، كما اقترحوا، فإن تقليص الحواجز أمام التجارة العالمية من شأنه أن يرجع بفائدة مذهلة تقدر بأكثر من 2011 دولاراً عن كل دولار يتم إنفاقه. وقد تتساءل عن الافتراضات المطلوبة للخروج برقم كهذا. ويبدو الأمر كبيراً بصورة يصعب تصديقها، ومن الواضح أنه غير دقيق بدرجة مستحيلة ولا يمكن تصديقها؛ الأمر الذي يثير مزيداً من الشكوك في أنفسنا، ويدفعنا للفت الأنظار ومراقبة تأثير هذه الدراسة في الواقع.
وعلى نحو مماثل، فإن حالة اليقين غير المبرر تتأتى بشكل روتيني من المصادر الأكثر شهرة. على سبيل المثال، تخرج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بتنبؤات لأمور مهمة مثل الناتج المحلي الإجمالي ومعدلات البطالة التي تشير إلى أرقام مفردة فحسب؛ مثالاً: 2.78 نقطة مئوية، من دون تقديم أي معلومات بشأن مدى دقة التنبؤات التي تطرحها. فما مدى الثقة المعتبرة بألا تكون النسبة 2.77 في المائة أو 1.85 في المائة؟ ومع النظر إلى التحليلات التاريخية لمثل هذه التنبؤات، فإننا نجد أنها في أغلب الأحيان تكون غير صحيحة بمقدار نقطة مئوية أو نقطتين مئويتين، فإن الأرقام الثانية والثالثة بصفة خاصة تبدو خاوية من المعنى والمغزى.
ويستعرض البروفسور مانسكي أمثلة أخرى، مثل التقديرات المنشورة لتكاليف التشريعات المقترحة التي يقدمها مكتب الموازنة في الكونغرس. ففي عام 2017، على سبيل المثال، قدر مكتب الموازنة في الكونغرس أن برنامج «أوباما كير» سوف يؤدي إلى تخفيض العجز الفيدرالي بمقدار 337 مليار دولار خلال الفترة بين عامي 2017 و2026. ومع اعتبار أن النتيجة الحقيقية سوف تعتمد على عدد لا يمكن إحصاؤه من الاستجابات التي لا يمكن التنبؤ بها من جانب الولايات، والمستشفيات، وشركات التأمين، والجمهور، فقد يكون من المصداقية لمكتب الموازنة في الكونغرس أن يطرح مجموعة من النتائج المحتملة للبرنامج؛ ما بين 250 و450 مليار دولار مثلاً. بيد أن هذه ليست هي الممارسة المعتادة.
لماذا لا؟ وهل هناك مسوغات مشروعة للحد من «حالات عدم اليقين»؟ عبر سنوات من الأبحاث، واجهت تقارير البروفسور مانسكي عدداً من المدركات العقلانية. وتتمثل إحدى الأفكار الشائعة في أن الأشخاص عموماً لا يفضلون عدم اليقين، ويميلون إلى اتخاذ أفضل القرارات مع تجاهل عدم اليقين. ويشير البروفسور مانسكي إلى أن ذلك من قبيل السذاجة النفسية، حيث تظهر الأبحاث أن الناس يتعاملون بالفعل مع عدم اليقين بطرق وأساليب متعددة ومختلفة.
يقول البروفسور مانسكي إن السبب الحقيقي وراء الإعراب عن «اليقين المذهل» هو، من الناحية الكلامية، أن الادعاءات القوية تبدو أكثر إثارة للاهتمام والدهشة وتجذب مزيداً من الانتباه، مما يجعلها ذات جاذبية خاصة لدى الباحثين من زاوية طرح التحليلات المبسطة مع بعض التوصيات السياسية التي لا لبس فيها. ويتردد صدى الفكرة من واقع أن كثيراً من النماذج الاقتصادية تستند إلى افتراضات غير معقولة بهدف استخلاص النتائج المفاجئة، ثم التغافل الملائم عن تأكيد هذه الافتراضات في أرض الواقع عند طرح التأثيرات السياسية المفترض أن تنجم عنها.
بطبيعة الحال، يمكن أن تكون هناك مسوغات مشروعة لعدم الإبلاغ عن التقديرات العددية المعنية بتحديد الأخطاء. وقد سألت الخبير الاقتصادي بيل كونرلي، الذي غالباً ما يقدم تنبؤات الاقتصاد الكلي في عموده الذي يكتبه لمجلة «فوربس»، لماذا لا يقدم أي أرقام صريحة للأخطاء المحتملة في تقديراته. فقال إنه لا يفعل ذلك بسبب أنه لا يعتقد بإمكانية ذلك، وفعل ذلك من شأنه أن يكون مضللاً في حد ذاته. والتباينات في كثير من التأثيرات على الاقتصاد لا يمكن تسجيلها من الناحية الواقعية من خلال الإحصاءات. على سبيل المثال، تساءل البروفسور كونرلي قائلا: هل يمكنك أن تعطيني خطأً قياسياً حول توقعاتك الخاصة بشأن ما سوف يفعله دونالد ترمب؟ من الواضح أنك لن تستطيع!
يستبدل البروفسور كونرلي بالتقدير الكمي لعدم اليقين التوصيفات الشفهية الجلية، التي تؤكد على المقدار الذي نجهله بشأن ما سوف يحدث ولماذا سوف يحدث. وهذا يبدو معقولاً إلى حد ما. لا تدعي تحديد الكمية التي لا يمكن تحديدها، والتي سوف تكون شكلاً آخراً من أشكال الدفع باليقين بأكثر مما هو مضمون في أرض الواقع.
- بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة