الحج... أمثولة تُروى

الحج... أمثولة تُروى

الخميس - 19 ذو الحجة 1439 هـ - 30 أغسطس 2018 مـ رقم العدد [14520]
فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق
كُتب لي أن أؤدي فريضة الحج قبل ثلاث وخمسين سنة تنفيذاً لعهد كنتُ قطعتُه على نفسي؛ هو أنني سأسدي خير واجب امتنان لوالدي ووالدتي بعدما بتُّ أمتهن العمل الصحافي وأتقاضى مرتباً شهرياً، وذلك بأن أصطحبهما إلى الديار المقدسة نؤدي معاً الفريضة ونحمد الله على نِعمه.
بحكم قراءتي الكتب والدراسات؛ وبالذات ما يخص العالم العربي، وما يضاف إلى هذه القراءة من جديد المعلومات حول الأوضاع العربية، كنتُ أختزن في الذاكرة ما يتعلق بفريضة الحج تحضيراً لليوم الروحي الموعود... يوم التوجه إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، وما سنؤديه من سعي وطواف ووقوف على جبل عرفة وتبرُّك بالسلام على خاتم الأنبياء والعودة بما تيسر من السبحات المكية ومن مياه زمزم نسقيها شراباً طهوراً إلى الذين سيأتون مهنئين لنا حجاجاً بعدما ودّعونا أناساً يحلمون بتأدية الفريضة عندما تتوفر الظروف.
ولكم شعرْنا وقد ارتدينا ثياب الإحرام الناصعة البياض كثلج صنين نحن وعشرات الألوف الذين سبقونا وأولئك الذين في الطريق جواً أو بحراً إلى نقطة الانطلاق مدينة جدة ومنها إلى الفضاء الروحي... بأننا محظوظون قياساً بالذين سبقونا والذين كانوا محظوظين قياساً بحجاج الزمن الغابر. والخطوة التي أعنيها أننا جئنا على متن طائرة ثم أقلّتنا إلى مكة المكرمة حافلة ركاب، وبعد ذلك كلٌّ وحظه من مساحة سجادة يرتاح عليها واضعاً رأسه على حقيبة ملابسه التي تحوي بعض الأدوية، وذلك في انتظار أن يستأجر مع آخرين شقة في مبنى أو يجد غرفة في فندق.
شقاء الانتقال من الحرم إلى مِنى لا يتحمله سوى المؤمن، كذلك شقاء الانتقال إلى عرفة، ثم رحلة الإياب لاستكمال الواجب الروحي أدعية وطلب استغفار. حالات أخرى لا يتحمل استيعابها أيضاً سوى المؤمن الذي جاء للتعبد؛ ومنها منظر الأضاحي، ومنظر التدافع لرمي الجمرات، ومنظر كبار السن الذين لم يتحملوا حرارة الجو، ومنظر معالجة الذين يغمى عليهم، وبعد ذلك منظر النيام في ساحات المسجد النبوي في المدينة المنورة لأن الفنادق ليست بالعدد الكافي؛ حالها في ذلك من حال مدينة جدة زمنذاك، كما أن البيوت التي برسم التأجير وتتقاسم السكن فيها مجموعات من الحجاج قليلة هي الأخرى.
هذه المناظر، وغيرها كثير، كانت تمر في خاطري وأنا أؤدي الفريضة بشغف لا مثيل له، لأنني أُسدي للوالد والوالدة خير لفتة امتنان، لأن المسحة الدينية فيها تعطي بهجة روحية.
إلاَّ أنني وفيما هذه التأملات تأخذ مداها، كنتُ أستحضر في الذاكرة ما علق بها في ضوء قراءاتي عن تفاصيل وقائع حدثت بالنسبة إلى الأجيال التي سبقتْنا، وكيف أن هؤلاء كابدوا وتحمَّلوا مشقة المجيء إلى الديار المقدسة، وكانوا رغم ذلك سعداء حامدين شاكرين. وكمثال على المشقة وكيفية تعامل السلطات المعنية في ذلك الزمن الغابر؛ زمن الملك المؤسس عبد العزيز، رحمة الله عليه، قبل سبع وسبعين سنة، وكيف أن تأدية الفريضة في زمن سادس الملوك الأبناء سلمان بن عبد العزيز غدت كما لو أنها حالة متقدمة وبامتياز، يجوز القول إن ما كان يتمناه الملك المؤسس للمسلمين حجاج بيت الله الحرام، وضعه الملك سلمان توجيهاً بالتنفيذ وإشرافاً ميدانياً عليه. وأما جوهر الوصية للأبناء ولمَن يليهم من الأحفاد للأبناء فهي أنه كلما زاد الخير يُزاد الاهتمام بالمسلمين في ملماتهم عموماً، وبالذات بالنسبة إلى الذين يؤمون وجوههم شطر المسجد الحرام، فلا يقاسي هؤلاء ما قاساه الأقدمون في أيامنا الصعبة. ويعمل الأبناء بالوصية الفرع التي هي من جوهر الوصية الأصل التي تركها في عهدة أول الأبناء الملوك (سعود بن عبد العزيز) وسار عليها بعده الأربعة المرحومون فيصل وخالد وفهد وعبد الله، وها هو خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز يرفع في حج 1439هـ من جوهرها ما أوجزه الملك المؤسس في وصيته بعبارة: «عليك أن تنظر في أمر المسلمين عامة وفي أمر أُسرتك خاصة. اجعل كبيرهم والداً ومتوسطهم أخاً وصغيرهم ولداً، وهِنْ نفسك لرضاهم، وامحُ زِلهم، وأقِل عثرتهم، وانصح لهم، واقضِ لوازمهم بقدْر إمكانك...».
ويبقى، وبصفتي واحداً من حجاج زمن مضى كانت تأدية الفريضة فيه على درجة من المشقة، لكنها تهون أمام الذين سبقونا فريضة بعد فريضة على مدى ثلاثة عقود، أن أستحضر واقعتيْن من ذلك الزمن، وأنا أتابع البهجة في أعلى درجاتها في نفوس الذين قيض الله لهم تأدية الفريضة في زمن سلمان بن عبد العزيز، وكيف أن الدولة من القمة إلى سائر الإدارات الأمنية والصحية والمجتمعية والمستشفيات ووسائل الاتصال كانت في مهمة استثنائية؛ وهي أن يؤدي المسلم الفريضة وهو في ذروة الطمأنينة والراحة، وستصبح بعد الآن ثابتة ويضاف إليها المزيد.
الواقعة الأولى التي أستحضرها هي برسم إخواننا أهل الثورة الإيرانية الذين لم يكونوا، كما، مع كثير الاستغراب وشديد الأسف، إخواننا أهل الحُكْم في دولة قَطَر، عند حُسْن الظن بهم عندما استمروا، ومَن يلوذ بهم في أكثر من أرض عربية، يتحرشون سياسياً وكلامياً، ناهيك عن فتاوى جائرة وتحديد غير موضوعي ليوم عيد الأضحى، مع أن أيام الحج خير مناسبة لضبط المبغوض من التصرفات إزاء الآخرين. وتتلخص الواقعة في بلاغ رسمي منشور في الجريدة الرسمية «أم القرى» بتاريخ 8/ 8/ 1358هـ (أي قبل 81 سنة) بالنص التالي: «إنه بمناسبة الأزمة الحاضرة الدولية، فإن الحكومة تعلن أن تعاطي الكلام لا فائدة لهم به مِن تحزّب لفريق دون آخر بمدح أو ذم غير جائز، لأن الحجاز وأهله يجب ألا يتداخلون في مثْل هذه الأمور لسبب أن بلادهم مقدسة، ومقصد المسلمين في سائر المعمورة على اختلاف أجناسهم ونِحلِهم السياسية. وهو محل العبادة وليس ميداناً لأي دعاية سياسية، والحكومة تنذر كل من يخالف هذا الأمر بالعقوبة الشديدة التي قد تكون نقدية وبالحبس والغرامة معاً». أليس هذا عيْن الصواب يا شيخ يوسف.
أما الواقعة الثانية؛ فإنها تنفع عند المقارنة بين الحج المبهج في زمن سلمان بن عبد العزيز، ومعاناة الذين كانوا يؤدون الفريضة في الزمن الغابر. والواقعة عبارة عن بلاغ رسمي في «أم القرى» أيضاً خلال موسم الحج بتاريخ 22/ 6/ 1362هـ (أي قبل سبع وسبعين سنة) وبالنص التالي: «بالنظر لتَكرُّر تغرير بعض السماسرة للناس في نقْلهم من سوريا وفلسطين على الجِمال إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، ونظراً للمتاعب والمشاق والأخطار التي يتعرض لها الحجاج في هذا الطريق من قلة المياه والمراعي، ووعورة المسالك، وموت الجِمال، مما يسبب مشي الحجاج على أرجلهم فيهلك كثير منهم، وآخرون ينقطعون في الحجاز ولا يجدون من النقود ما يقوم بأودهم ولا من النفقة ما تُمكِّنهم من العودة إلى بلادهم، لذلك فإن الحكومة العربية السعودية ستمنع هذا العام مرور أحد من الحجاج على الجِمال بطريق البر محافظة على سلامة الحجاج، ويُستثنى من ذلك الذين يحملون جوازات تخوِّل لهم السفر عن الطريق البري وتضْمن حكومتهم نفقاتهم في الذهاب والإياب عن الانقطاع، ومَن أراد الحج فعليه أن يتحصل على جواز سفر، وأن يسير في الطريق التي يُتفق عليها بين الحكومة العربية السعودية وبين الحكومات ذات العلاقة في هذا الشأن».
خلاصة القول إننا من جيل أشفق على أحوال أجيال سبقت لطالما كابد أفرادها عند أداء فريضة الحج. والآن نعيش بهجة مليوني مسلم من 165 دولة أدوا الفريضة ولسان حالهم يفيض بالثناء على ما لاقوه في المملكة العربية السعودية من الاهتمام، فقد كانت الرعاية في أعلى درجاتها، وكان ولي الأمر من عشية أيام الحج وحتى ضحى اليوم الأخير مثل قائد في غرفة عمليات. كما، زيادة في الاطمئنان، كانت له إطلالات من الشرفة فترتفع درجة هِمَم الألوف من رجال الأمن والصحة والمتطوعين من شبان وشابات استوعبوا تماماً ما قاله الملك سلمان على الملأ في الحفل السنوي التقليدي بالقصر الملكي في مشعر مِنى يوم الجمعة 23/ 8/ 2018م لكبار الشخصيات ورؤساء البعثات: «إن الله شرّف المملكة بخدمة الحرمين الشريفين، ورعاية أمور قاصديهما، والسهر على أمنهم وسلامتهم وراحتهم، وقد أعطت هذا الأمر كل العناية والاهتمام، منذ أن أسس أركانها الملك عبد العزيز - رحمه الله - ومن بعده ملوك هذه البلاد - رحمهم الله جميعاً - وسنواصل ذلك بإذن الله؛ لإيماننا العميق بأن خدمة ضيوف الرحمن من الحجاج والمعتمرين والزوار، والقيام على شؤونهم وتيسير أدائهم لمناسكهم، واجب علينا وشرف عظيم لنا نفخر ونعتز به».
وفي الزمن الآتي سيقول آباء وأمهات، وبالذات آباء وأمهات شهداء رجال أمن وشرطة مصريين، وكذلك آباء وأمهات شهداء فلسطينيين، استضافهم الملك سلمان، وبما معناه، إنه ينوب عن كل واحد من الأبناء الشهداء في إسداء واجب أداء الفريضة للأب وللأم، وعلى نحو ما أشرتُ إليه شخصياً في مستهل هذه المقالة... سيقول الآباء والأمهات وبكثير من الاعتزاز: نحن أدينا الفريضة في زمن سلمان بن عبد العزيز.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة