ترمب باقٍ في البيت الأبيض

ترمب باقٍ في البيت الأبيض

الأربعاء - 18 ذو الحجة 1439 هـ - 29 أغسطس 2018 مـ رقم العدد [14519]
عبد المنعم سعيد
رئيس مجلس إدارة صحيفة المصري اليوم بالقاهرة، ورئيس مجلس إدارة ومدير المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة
لا يمر يوم دون أن تتدافع الأسئلة حول الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وكلها أسئلة مصيرية حول قرارات مصيرية، ليس فقط لمستقبل الولايات المتحدة وإنما مستقبل العالم أيضاً. هل يشن ترمب الحرب على إيران؟ (يوجد على «يوتيوب» الآن فيديوهات تصور شكل الحرب والأسلحة المستخدمة فيها والأهداف التي سوف تتوجه لها ورد الفعل الإيراني وقصص كهذه)، وماذا عن التطورات الأخيرة بعد صدور قرار اتهام لمحاميه الخاص مايكل كوهين، والقائد المبكر لحملته الانتخابية بول مانافورت، وهو ما يشكل إضافة إلى قائمة أخرى من الأحداث المثيرة المرتبطة بالدور الروسي في الانتخابات الأميركية لعام 2016؟ أم أنه بات لا لها علاقة بمصير الرجل لأن وقائعها تجري في إطار قانوني له إجراءاته وزمنه، كما أن عملية الإطاحة لا تتوافر لها الشروط السياسية والدستورية والقانونية، والدستور لا يدين الرئيس إلا بأغلبية الثلثين في مجلسي الكونغرس وبعد تحقيق طويل، والقانون يعني أن جماعة سياسية جمهورية وديمقراطية على استعداد لمطاردة الرجل داخل الأروقة القضائية حتى تحقق غرضها؟
وإذا كان هناك توافق من المحللين الآن حول شخص ترمب وزمنه، فإنه شخصية يصعب التنبؤ بتصرفاتها، كما أن طريقه إلى البيت الأبيض لم تكن عادية، وعلاقاته بالمؤسسات الأميركية كلها من الكونغرس إلى الحكومة إلى مجمع المخابرات قلقة. ومع ذلك فإن الحقائق الثابتة فيما يتعلق بترمب هي: أولاً أن القاعدة الانتخابية التي انتخبته استمرت على ولائها له حتى الآن، ولا يهمها كيف جاء فارسها المغوار للرئاسة، ما دام أن أميركا تقع «أولاً» في جدول اهتمامه، وأن الاقتصاد الأميركي مزدهر، وأنه لم يورط أميركا في حرب. وثانيها أن الرجل ينفذ ما وعد به وجوهره الضغط والتقليل من «الحالة الليبرالية» الأميركية في الداخل والخارج. وثالثها على عكس كل ما يقال إن هناك منطقاً يحكم تصرفات الرجل ربما كونه من عمله في مجال «البيزنس»، أو أنه استخرجه من آيديولوجية «القومية الأميركية» التي يقال عنها «قومية البيض الأميركيين»، وهؤلاء يريدون لأميركا أن تبعد عن العالم وشروره.
المدقق في هذه الحقائق الثلاث سوف يستخرج نمطاً من التفكير الاستراتيجي يبدو محيراً للمراقبين والمحللين الأميركيين والغربيين في عمومهم، ولكنه منطقي إذا كانت النظرة فاحصة ومتخلصة من التحيز الليبرالي الذائع في النخب الغربية التي تحكم عليه من خلال نمط الحكم والعلاقات الدولية الذي ساد خلال العقدين الماضيين ومنذ حكم كلينتون حتى حكم أوباما وعبر حكم بوش الابن، وسواء كانت الآيديولوجية السائدة هي الليبرالية أو فكر المحافظين الجدد. الاقتراب من ترمب وفق هذه الثوابت يجعل سياساته الداخلية والخارجية مفهومة ولا مفاجأة فيها. الرجل مع كل صباح، وكل تغريدة، يقوض من المؤسسة الشرقية الليبرالية الأميركية، وهو يطلق عنان الاقتصاد الأميركي بضرائب أقل ولوائح وإجراءات أقل بكثير. سياساته الخارجية ظهر نمطها في التجربة مع كوريا الشمالية التي بدأت بالتهديد بحرب «الغضب والنار»، وإقامة يوم القيامة على الزرع والضرع في بيونغ يانغ، وانتهت بمؤتمر في سنتوزا السنغافورية جرت فيه صفقة تنزع فيها كوريا الشمالية أسلحتها النووية، وتقلل فيها أميركا من وجودها العسكري في كوريا الجنوبية. ما بين التهديد والصفقة كان استخدام أطراف ثالثة مهماً مثل كوريا الجنوبية التي تبحث عن معاهدة سلام مع جارها الشمالي، والصين التي لا تريد كوريا الشمالية النووية ولا وجوداً أميركياً كثيفاً في الجوار الاستراتيجي. التجربة في سوريا بدأت بقبول التصعيد وزيادة القوات الأميركية حتى جرى الانتصار على «داعش»، فكان الإعلان عن تخفيض القوات وانسحابها، وترك الأمر لروسيا لكي تولف ما بين تركيا وإيران وإسرائيل وحكم بشار الأسد، بينما الخطوط الأميركية الحمراء معروفة؛ فلا استخدام للأسلحة الكيماوية، ولا مساس بأمن إسرائيل، ولا مساس بالقوات الكردية التي عليها ألا تطمع في دولة مستقلة!
السياسة تجاه إيران تبدو معقدة لأنها لا تزال في مراحلها الأولية، وفي المراحل الأولية فإن ترمب هو رجل حافة الهاوية بامتياز، فالوعد باستخدام أقصى درجات القوة وارد، والوعيد بتصفية النظام السياسي الإيراني بتشجيع أشكال مختلفة من المعارضة جائز. ولكن ترمب لا يريد الذهاب إلى حرب لا يتمناها ولا يرغب في التورط فيها، هو يريد صفقة أقل ما فيها تدمير القدرات النووية الإيرانية، فهذه ممنوعة طبقاً للاتفاق السابق أن تحول إيران القدرات إلى أسلحة، وعقاب ذلك معروف أميركياً وإسرائيلياً بالتدمير المباشر.
ولكن المراد من إيران أولاً البعد عن إسرائيل كلياً بالانسحاب من سوريا أو جزئياً بتقييد التسلح فيها، وثانياً وضع سقف لعون حزب الله اللبناني في سوريا ولبنان، وثالثاً تقليص النفوذ والتوسع الإقليمي لإيران في المنطقة كلها من العراق إلى اليمن، وأخيراً وقف دعم الإرهابيين والإرهاب في عمومه. والمقابل هو استمرار النظام الإيراني، كما الحال مع النظام الشيوعي في كوريا الشمالية. الأطراف الثالثة هنا - أوروبا وخصوصاً ألمانيا - تلعب دور المحلل والوسيط الذي يذلل التوصل إلى الصفقة.
العلاقات مع موسكو أكثر تعقيداً انطلاقاً من الحقيقة الواقعية أن روسيا أياً كانت أحوالها الاقتصادية والسياسية هي الدولة النووية والعسكرية المقابلة لأميركا في العالم، وهي قد تكون القيد الجيو استراتيجي على الصين المنافس الاقتصادي الأول لأميركا. وبغض النظر عما إذا كانت لروسيا أفضال على ترمب في الانتخابات الأميركية، فإن الرئيس الأميركي كما فعل في هلسنكي لا يريد للعلاقات بين موسكو وواشنطن أن تكون محكومة بتقديرات المخابرات وتحيزاتها التاريخية منذ الحرب الباردة. ترمب يريد توافقاً تاريخياً واستراتيجياً مع روسيا، وفي سبيله هو على استعداد لإعطاء موسكو نصيباً أكبر في تسوية الأزمة السورية على ضوء المحددات السابق ذكرها، وأكثر من ذلك، فإنه لا يمانع من صفقة تخص الوجود الروسي في جورجيا وفي القرم الأوكرانية.
ولكن ذلك ليس نهاية المطاف، وبعدها تكون «الصفقة» التي تعطي فيها موسكو تأييداً للجهود الأميركية لتسوية الصراع العربي - الإسرائيلي، وتحديد أسعار النفط بحيث لا ترتفع سقوفها، بحيث تضر بالبترول الصخري الأميركي، حتى ولو لم تنخفض إلى المستويات الضارة بحلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. روسيا أيضاً لديها دور تلعبه في إقناع إيران وتركيا بأن لاستخدام القوة حدوداً، وقبل وبعد كل شيء أن الجغرافيا السياسية تحكم أنه لا توجد مصلحة روسية في جوار إيراني أو تركي قوي ومتمدد ومتوسع.
ترمب أياً ما كانت تبدو عليه الأمور باقٍ في الحكم حتى نهاية فترته الأولى على الأقل، كما أن سياسته ليست كما تبدو متقلبة أو مضطربة، هي فقط غير مقبولة من خصومه السياسيين الذين خسروا الانتخابات ويريدون عالماً مختلفاً عما يريده ترمب!

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة