بين ضفتين: انكسارات عميقة واستقرار رغم التحديات

بين ضفتين: انكسارات عميقة واستقرار رغم التحديات

الثلاثاء - 17 ذو الحجة 1439 هـ - 28 أغسطس 2018 مـ رقم العدد [14518]
يوسف الديني
كاتب سعودي
يبدو أن فاتورة ما سُمي بـ«الربيع العربي» توشك على دفع مستحقاتها في هذه الفترة العصيبة التي يمر بها الشرق الأوسط؛ المنطقة التي باتت ترمومتراً ليس لاستقرار الإقليم بل العالم؛ إذا أخذنا في الحسبان أنها باتت تصدر أزماتها وتحولاتها السياسية للعالم، إما من خلال ما تقذفه من حمم النار التي يرسلها «الذئاب المنفردة» العائدون من مناطق التوتر، كما شهدت مناطق متعددة في أوروبا وأفريقيا وحتى الولايات المتحدة التي تحاول التنظيمات الإرهابية اختراقها بشتى الوسائل، بحثاً عن عملية نوعية تعيد لهم بريق الإعلام والتمويل والاستقطاب للتجنيد.
وفي الوقت ذاته، فإن استقرار دول الاعتدال العربي، على رأسها السعودية ومصر، وباقي الدول التي عبرت من عواصف ما بعد «الربيع العربي»، وهي عواصف باتت محصورة في الاستهداف الإعلامي الذي يمثله حلف جديد يتشكل تدخله تركيا الآن بعد أزمتها الجديدة، وهي بالمناسبة ليست أزمة اقتصادية، وإنما أزمة شاملة يقودها إردوغان بخطاب شعبوي أممي يحاول فيه ترميم إخفاقات العلاقة بالإدارة الأميركية الجديدة وأوروبا، وإخفاقات الداخل السياسية، التي تمثلت في استهداف جزء كبير من مكونات القوى التركية التي سحقت بعد فشل الانقلاب، ومضى إلى تثبيت السلطة بشكل منفرد، مضيفاً إليه استعداء دول الاستقرار واستفزازها تارة بالتدخل السيادي، ومرة ثانية بالمعالجة المضطربة في الملف السوري، وصولاً إلى رعاية المعارضات السياسية لدول الاستقرار في الأراضي التركية بتمويل قطري، وقطر هي الأخرى مضت بعيداً، كمن لا يملك خط رجعة في استهداف محور الاستقرار بخطاب إعلامي بلغ مستوى من خلق الأكاذيب، وتناول الملفات الداخلية، وصولاً إلى استهداف الشرعية ذاتها، كما رأينا في تناول ملف الحج، وهو ملف سيادي سياسي، وليس مسألة إدارة لشعيرة دينية، فهويّة المملكة وقبلها كل الممالك والدول التي خصها الله عبر التاريخ برعاية الحج وقبلة المسلمين، كان ذلك جزءاً من هويّتها السياسية.
على مستوى الكيانات الموازية، التي تعمل على طريقة الدولة العميقة داخل الدول من «الإخوان» إلى «حزب الله» إلى أنصار الله «الحوثي»، فهذه الكيانات تعيش أحلك فتراتها، «الإخوان» بعد بيانهم المثير للاستهجان، الذي بدا غير واقعي حتى للمتعاطفين مع الإسلام السياسي، في دعوتهم إلى إعادة تسليم السلطة والحوار المشروط بذلك انتهوا إلى الدعوة المباشرة والصريحة للخروج على النظام، من خلال دعوة معصوم مرزوق، السفير السابق، في محاولة للالتفاف على حالة اليأس والموت السريري الذي أصاب آيديولوجية «الإسلام السياسي» في مواقع متعددة من الخليج إلى العالم العربي، والمفارقة أن تبقى تلك المعارضات في قلب أوروبا تحاول إنعاش مركزها في العالم العربي، كما رأينا في خطب منظري الإرهاب الأخيرة دعماً لليرة التركية، آخرها خطبة هاني السبيعي من بريطانيا في الهجوم على «الغرب الصليبي الذي يستهدف الإسلام»!
إلى جانب ذلك الإنعاش من قلب أوروبا، تنشط المنصات الإعلامية التي تمولها قطر وتبث من تركيا، إضافة إلى قناة «الجزيرة»، في محاولة إثارة الفوضى والتحريض على مصر والسعودية في محاولة للعودة إلى أجواء الفوضى الذي رافقت زمن ما بعد «الربيع العربي».
الحوثيون يمضون قدماً في استهلاك وتكريس منطق الميليشيا الساذج المهيمن على تحركاتهم السياسية، واستغلال المجتمع الدولي في موقفه الأخلاقي تجاه الحرب في اليمن، وهو موقف يشوبه الكثير من التمييز بسبب عدم تصنيف الميليشيا منظمةً إرهابيةً؛ هدفها تجريف هوية اليمن وابتلاع كل مقدراته، وهو ما ساهم في استغلال الحوثيين لذلك بين كل المتناقضات من الفشل الذريع في المفاوضات، والتعنت واختراق الهدنة، وجلب المزيد من الدمار والاختطاف والاغتيال، بهدف تزجية أكبر قدر من الوقت، والقدوم للتفاوض بشروط متعنتة.
«حزب الله» يهدد لبنان الدولة على أثر حالة الجمود للحالة السياسية، مدركاً أن مصدر قوته وشرعيته من طهران قد لا يدوم طويلاً، كما أن وضعيته في الخروج على منطق الدولة، وصولاً إلى التدخل في الأزمة السورية بات محل تساؤلات كبيرة، وربما تحرك من دول عربية لمقاضاته، عدا أن الجديد أن النظام السوري ذاته بات يشعر بعبء وجوده، حيث كشفت التقارير عن اشتباكات حادة بين قوات النظام السوري، وميليشيا «حزب الله»، وهو جزء من مسلسل الصراع القائم بين حلفاء نظام الأسد، في ظل تعدد اللاعبين وخلاف أولوياتهم بعد إضعاف «داعش»، والرغبة في تقاسم الكعكة السورية. الاشتباكات في ريف دير الزور بين «الحزب» وقوات النظام دليل على انفلات السيطرة على «حزب الله» في سوريا، وتعميق هشاشة النظام السوري الذي يعاني من سطوة كل الحلفاء عليه، ومنها الميليشيات الشيعية التي تعبث في الحالة السورية، كما فعلت في تدمير الحالة العراقية، وخلق مفهوم «الإرهاب الفوضوي» لأهداف سياسية، الذي لم يعد مقصوراً على تنظيم القاعدة و«داعش»، بل بات جزءاً من استراتيجية إرهاب الميليشيات الشيعية في العراق ولبنان واليمن، التي تتخذ غطاء الدولة ومظلة التغيير السياسي لتمرير أجندتها الثورية ذات الطابع الانفصالي.
الإرهاب السني اليوم يتغذى على الإرهاب الشيعي ويغذيه، فالحرب تبدو بينهما في الظاهر، إلا أن هدفهما واحد، وهو الانقضاض على فضيلة الاستقرار، وتحويل الحالة السياسية إلى مناخ حرب دائمة، وهو التحدي الأكبر لفضيلة الاستقرار الذي تدافع عنه السعودية ودول المنطقة، ولا شك أنه سيظل إلى أجل مسمى أولوية المرحلة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة