الجنوب الليبي والأزمة المتجددة

الجنوب الليبي والأزمة المتجددة

الاثنين - 16 ذو الحجة 1439 هـ - 27 أغسطس 2018 مـ رقم العدد [14517]
د. جبريل العبيدي
* كاتب وباحث ليبي
عملية فرض القانون في الجنوب، التي أطلقتها القيادة العامة للجيش الليبي ضد الجماعات الإرهابية وعصابات الاتجار بالبشر والهجرة غير القانونية، سيكون لها أثر كبير في تحقيق الاستقرار في هذا الإقليم المضطرب، لأسباب محلية وخارجية متعددة، حيث تعتبر هذه المنطقة البوابة الرئيسية للمهاجرين الأفارقة، بسبب ضعف وصعوبة مراقبة الحدود الممتدة لآلاف الكيلومترات في أعماق الصحراء، وتتشارك فيها أربع دول، بعضها لا يشارك ولا يبذل أي مجهود في كبح حدوده، بل هناك من يتساهل مع المهربين لدخول عناصر «داعش» الهاربة من سوريا والعراق عبر السودان بتمويل قطري إلى الجنوب الليبي.
في ظل أزمة الجنوب الليبي المتجددة، دفع الجيش الليبي بتعزيزات عسكرية لفرض الأمن والاستقرار في الجنوب، في مقابل أنباء عن تحركات وتعزيزات عسكرية للقوات التشادية الرسمية قرب الحدود الليبية التشادية، الأمر الذي إن جرى بالتنسيق مع الجيش الليبي سيكون أكثر فعالية، بحيث يتم سحق المرتزقة التشادية التي تتخذ من الجنوب الليبي قاعدة لها.
الجنوب الليبي، حيث تتجمع سرايا المتطرفين وبقايا «القاعدة» الهاربين من بنغازي «سرايا الدفاع»، التي يتزعمها المطلوب لـ«الرباعية» إسماعيل الصلابي الأخ الأصغر لعراب الجماعات الإسلامية علي الصلابي، والمطلوب الآخر لـ«الرباعية العربية»، والضابط المفصول من الخدمة العسكرية مصطفى الشركسي؛ السرايا التي يتم تمويلها قطرياً بالسلاح والمال والعتاد، وحتى شراء المرتزقة عبر عميل قطر المتمرد التشادي تيمان أرديمي، زعيم المعارضة التشادية، وإن كان لا يحظى بقبول جميع فصائل المعارضة التشادية، ويعتبرونه صنيعة النظام التشادي، وأنه عميل مزدوج. أرديمي ذو النزعة المتطرفة، أصبح رجل الدوحة الذي تراهن عليه لتحقيق أجندتها، والذي شكل ميليشيا مسلحة من أبناء قبيلته الزغاوة، وضم إليها مرتزقة آخرين، تستخدمهم قطر في الجنوب الليبي بالتعاون مع ميليشيات «سرايا القاعدة» الإرهابية بقيادة الصلابي والشركسي، المتمركزة في الجنوب الليبي، خصوصاً بعد أن حذر المبعوث الأممي غسان سلامة من أن ثمة عناصر من المرتزقة الأجانب توجد في ليبيا، يعتبر التحرك العسكري لسحقها خطوة مهمة لتحقيق الاستقرار، وإعادة سلطة الدولة على الجنوب المستباح.
استغلال أزمة الجنوب دفع بعض الدول مثل إيطاليا لمحاولة إنشاء قاعدة عسكرية لها قرب مدينة غات الليبية أقصى الجنوب، ولهذا حذرت القيادة العامة للجيش الوطني من محاولة بعض الأطراف الدولية إنشاء وجود عسكري لها في مناطق الجنوب تحت حجة التصدّي للهجرة غير القانونية.
الجنوب الليبي الغني بالثروات يعتبر منجماً خصباً، لم يستثمر بعد، دفع بالعديد من الأطراف إلى التدخل فيه عقب إسقاط الدولة، وليس فقط النظام، في فبراير (شباط) 2011، لتسهيل نهب الثروات، من ذهب ويورانيوم وفوسفات ونفط، واستخدام الجنوب بوابة لتهريب البشر والسلاح والمخدرات من وإلى أفريقيا، ولهذا تسعى بعض الدول الأجنبية إلى عزل الجنوب الليبي، وتحويله إلى إمارة معزولة عن سلطة الدولة تستخدم لتجارة السلاح والتهريب والإرهاب، من خلال حركات التمرد الأفريقية التي أقامت قواعد لها في جنوب ليبيا.
«الجنوب الليبي أصبح قاعدة لحركات التمرد الأفريقية»، تصريح لوزير خارجية حكومة «الوفاق» غير الدستورية محمد سيالة عقب اجتماعه في أنجامينا، بعد التوقيع على اتفاق رباعي للتعاون الأمني مع دول الجوار جنوب ليبيا، استاء منه البعض لكونه يسمح لدول الجوار بالدخول إلى الأراضي الليبية، وملاحقة العناصر الفارة دون طلب الإذن من السلطات الليبية، الأمر الذي يعتبر تنازلاً قدمته حكومة «الوفاق» لشرعنة انتهاك السيادة الليبية، ويعتبر معالجة خاطئة من حكومة «الوفاق» التي لم يتوافق عليها أحد.
الجنوب الليبي وملف الهجرة غير القانونية، التي معبرها الجنوب الليبي، في ظل وجود إحصاءات أعلنتها المنظمة الدولية للهجرة، عن أعداد المهاجرين العالقين في ليبيا؛ قدرت أعدادهم بنحو «ستمائة ألف» مهاجر، في حين أن السلطات الليبية لا تؤكد الرقم، ومع هذا تركت ليبيا تعاني همها وهمهم، في ظل فوضى السلاح وانتشار الميليشيات وتقارير عن حالات الاستعباد وممارسة تجارة الرقيق، دون أي مساعدة حقيقية سوى إجراءات اتخذتها السلطات الإيطالية بترك المهاجرين عالقين في البحر، حتى بعد أن تم إنقاذ بعضهم، ومنعت السفن المنقذة من الرسو في موانئها في سابقة غير إنسانية، في حين تهدد ليبيا وتطلب منها إنشاء مراكز إيواء في مقدمة لتوطين المهاجرين والعبث بالديمغرافيا الليبية، وهي بلد عبور وضحية أيضاً، وليست بلد منشأ.
الجنوب الليبي يعاني في الأصل من صراعات قبلية تسببت فيها الولاءات السياسية، التي لعبت دوراً كبيراً في تعميق تفكيك النسيج الاجتماعي بين السكان، وأذكت النعرات القبلية والإثنية، حتى أصبح الجنوب في حالة صراع دائم بين قبائل التبو والطوارق، التي في أغلبها صراعات سياسية وليست قبلية، يتم الاحتكام فيها إلى السلاح لتحقيق المغالبة والاستقواء بالمناصرين، ولو كانوا من خارج الحدود، نظراً لأن أغلب السكان المحليين من قبائل التبو والطوارق لهم امتدادات قبلية في دول الجوار تشاد والنيجر.
لذا فإن الجيش من خلال تصريحات المسؤولين فيه، يكثف الآن جهوده واستعداداته لتأمين الجنوب بكامله بالتنسيق مع الدول المعنية والتي لها حدود مع ليبيا في الجنوب، لكبح الهجرة غير المشروعة وسحق الإرهابيين القتلة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة