أميركا التكنترونية... «كعب أخيل» روسيا الاتحادية

أميركا التكنترونية... «كعب أخيل» روسيا الاتحادية

السبت - 7 ذو الحجة 1439 هـ - 18 أغسطس 2018 مـ رقم العدد [14508]
إميل أمين
- كاتب مصري
من نصدق.. رجالات الكونغرس الذين أعلنوا مؤخراً ما يشبه الحرب على روسيا الاتحادية بعد تجديد الاتهامات لها بأنها تتهيأ من جديد لإحداث اختراقات على صعيد الحياة السياسية الأميركية عبر انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل وتستعد بالقدر نفسه وأزيد لانتخابات الرئاسة 2020، أم نصدق الرئيس الأميركي الذي يقول البعض الآخر إن الدولة الأميركية العميقة هي التي تقطع الطريق عليه في طريقه لإعادة ضبط المسافات مع الروس لصالح الشعب الأميركي، ما يعني خسارة مجمعات المصالح المختلفة لكثير من امتيازاتهم التاريخية؟!
يكاد الناظر لمعركة الكونغرس التي نحن بصددها يخلص إلى أن هناك مدداً ودعماً غير مسبوق يأتيهم من خارج الأسوار، عبر مجمع الاستخبارات المركزية الذي يشرف رئيسه دان كوتس على أكثر من 16 جهازاً استخبارياً معروفاً، غير ما هو خفي ومجهول، والذي أعلن أن روسيا تقوم بشن حملة واسعة النطاق للتأثير على الرأي العام والعملية الانتخابية، قبل أشهر من انتخابات تشريعية حاسمة، مضيفاً أن الأميركيين يرون حتى الساعة رسائل واسعة النطاق من روسيا لمحاولة إضعاف الولايات المتحدة وتقسيمها.
مثير جداً تصريح كوتس وتأمله ملياً يضعنا أمام حقيقة أبعد كثيراً من مواجهة اختراق سيبراني روسي، ويمضي بنا إلى مواجهة أخطر مما كان عليه الحال خلال الحرب الباردة، ففي ذلك الزمان كان التهديد السوفياتي يتأتى من خلال الصواريخ والغواصات النووية، فيما المعركة الآن تمضي من خلال شكل جديد من أشكال الحروب من الداخل وتفكيك المجتمعات وتقسيمها بشرياً.
هل بوتين يرغب حقاً في تفكيك الولايات المتحدة ليثأر لبلاده التي استطاع الغرب بقيادة أميركا تقسيمها إلى جمهوريات منفصلة؟
لا يمكن الجزم بنوايا ثعلب الكرملين، غير أنه بالرجوع إلى تصريحاته بشأن ما جرى لبلاده، فإنه اعتبر تفكيك الاتحاد السوفياتي هو أكبر خطأ حدث في التاريخ المعاصر، ولو استطاع لمنع مثل هذا الانهيار، ما يعني أن شيئاً ما، لا يزال عالقاً في نفسه تجاه الأميركيين.
هل يخشى الأميركيون بالفعل أن يكون لدى بوتين مشروع تفكيكي للولايات المتحدة يسعى من خلاله إلى إصابة قلب هذا المجتمع غير المتجانس بطريقة مساوية في المقدار، ومضادة في الاتجاه لما جرى لبلاده؟
هنا نستدعي أوراقاً بحثية تاريخية ربما تضعنا على عتبات التفكير في أسرار معركة الكونغرس وحديث التقسيم الذي يتناوله كوتس.
بالرجوع إلى كتاب «بين عصرين... أميركا والعصر التكنتروني» لصاحبه المفكر الاستراتيجي الأميركي الكبير زبغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأميركي في زمن الرئيس جيمي كارتر، والذي أصدره عام 1970، نجده يتوقع انهيار الاتحاد السوفياتي بنهاية ثمانينات القرن المنصرم، وهنا يمكن للمرء القطع بأن قراءة بريجنسكي لم تكن إلا نبوءة ذاتية التحقيق تسعى لتأكيد ذاتها بذاتها، بمعنى أنه كان يدرك الأبعاد الخافية عن أعين العوام ضمن خطوط طول وعرض الإمبراطورية الأميركية، لتوجيه الطعنة القاتلة لجسد الاتحاد السوفياتي، الذي بدا وكأنه عملاق، لكن قدميه من فخار.
غير أن إشكالية قراءة بريجنسكي المخيفة اليوم بالنسبة للأميركيين كانت بشأن أميركا نفسها، التي توقع الرجل الاستراتيجي الكبير انهيارها بعد عقدين إلى ثلاثة عقود من انهيار الاتحاد السوفياتي، ما يعني أن اتحاد الولايات الأميركية ربما يعيش الآن درجة من درجات الاحتضار التي أشار إليها بريجنسكي، وأهم معالمها ظهور الصراعات العرقية والطبقية على السطح، وهو ما شاهدناه يتصاعد في الأعوام الأخيرة، ومعه يبدو النسيج المجتمعي الأميركي عرضة للاهتراء.
تداعيات ما جرت به المقادير في انتخابات الرئاسة الأميركية 2016 واحتمال حدوثه قائم في الانتخابات القادمة، ربما هي تعميق الشرخ بين الأميركيين أنفسهم، وقد بلغ السجال بينهم اليوم حداً غير مسبوق، بعد أن سيطر أصحاب الياقات الزرقاء على قوة العمل الحقيقية في البلاد، وانطلاق اليسار الأميركي من جديد في المؤسسات التعليمية، عطفاً على عودة غير محمودة لليمين الأصولي الأميركي بأشكاله المتعددة، وفيما الداخل يكاد يتشظى تفقد أميركا هيمنتها النقدية على الأقل حول العالم، عطفاً على ظهور أقطاب مغايرة منفردة أو مجمعة في كيانات أممية جديدة حول العالم.
حين تدخل الروس – إن ثبت تدخلهم بالفعل – فقد كانوا يضربون أساسات المجتمع الأميركي التكنتروني الذي تحدث عنه بريجنسكي، أي المجتمع الذي يشكله ثقافياً ونفسياً واجتماعياً واقتصادياً تأثير التكنولوجيا والإلكترونيات وبوجه خاص مجال العقول الإلكترونية والاتصالات، بمعنى أنهم استغلوا تلك الأدوات لتبيان الفوارق الحقيقية بين المجتمع الأميركي اليوتوبي الذي تصدره النخبة، وبين واقع أميركا العرقي والعنصري الحقيقي، وهو ما أكدته قصة تآمر الحزب الديمقراطي نفسه ضد بيرني ساندرز المرشح اليساري ضد هيلاري كلينتون المنتمية للنخبة الأميركية.
يمكن القطع بأن معركة الكونغرس تقوم تجاه الهجمات الروسية عبر الآليات التكنترونية التي بيّنت هشاشة الداخل الأميركي المقسم ما بين صفوة مفادها ثلاث نخب أساسية تتقاسم عملية اتخاذ القرار الأميركي وهي؛ رؤساء الشركات، والقادة العسكريون، والقادة السياسيون، وهذه الصفوة أقلية عددية لا تذكر بالمقارنة مع الجماهير التي حاول ويحاول ترمب انتزاع صلاحيات الجماعة الأولى لصالحها، ومن هنا يتبين لنا ثورة أميركا الصفوة ضد الرئيس ومشروعه لمواجهة الفساد السياسي لدى النخبة الأميركية، ما يعني أن التجانس الشعبي الأميركي في خطر، وهذا ما حذر منه كوتس وما تخشاه الدولة الأميركية العميقة، وقد يكون بوتين بالفعل يتلاعب بأدوات أميركا التكنترونية ليزيد من حدة الانقسام، ومن ورائه عقول أرثوذكسية سياسية من عينة ألكسندر دوغين تعي تماماً الفلسفة الكامنة وراء القول... كل بيت ينقسم على ذاته يخرب، وكل مملكة تنقسم على ذاتها لا تثبت.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة