عمل الحاكم وليس شخصه

عمل الحاكم وليس شخصه

الأربعاء - 13 ذو القعدة 1439 هـ - 25 يوليو 2018 مـ رقم العدد [14484]
توفيق السيف
كاتب ومفكر سعودي
شعرت بنوع من الصدمة حين وقعت عيني على شعار «نريد حاكم يستحي»، الذي رفعه المتظاهرون في البصرة وبغداد والنجف، ومدن عراقية أخرى، في الأيام القليلة الماضية. هذا الشعار يلخص كثيراً مما قاله المتظاهرون وما فعلوه أيضاً. ومعناه الواضح أنهم ما عادوا مهتمين بالمظهر الديني ولا اللغة الدينية التي يستعملها الزعماء السياسيون.
قدم ماكس فيبر، عالم الاجتماع الألماني (1864 - 1920) نظرية شاملة حول الشرعية السياسية، ومصادرها وأهميتها في الحياة العامة. ومن بين أنماط الشرعية التي درسها، نشير إلى الشرعية المرتبطة بالكاريزما الشخصية، الشرعية المرتبطة بالدين والتقاليد، وتلك المرتبطة بالإنجاز.
ينطوي مفهوم الشرعية في جواب سؤال بسيط: بأي حق يأمر الزعيم وينهى، وبأي مبرر يطيع الناس أوامره ونواهيه. إن إيمان الجمهور بالمصدر الذي يولد هذا الحق، هو مصدر شرعية السلطة والزعامة.
يستمد الزعيم الكاريزمي شرعيته من إيمان الجمهور بأن وعوده صحيحة دائماً وقابلة للتحقيق، ربما لشجاعته أو لانتصاراته السابقة أو قدرته الخطابية أو غيرها. أما الشرعية المستندة إلى الدين والتقاليد، فتبرز في قناعة الجمهور بأن رجلاً يحمل تعريفاً خاصاً، مثل شيخ القبيلة أو رجل الدين، يمثلهم تماماً، لأنه يجسد منظومة تقاليد أو قيم مستقرة في الثقافة الاجتماعية، مقدسة أو شبه مقدسة. بمعنى أن هذا الزعيم هو صورتهم في ذروة الكمال، الذي يطمحون إلى بلوغه لكنهم لا يقدرون.
أما الزعيم الذي يستمد شرعيته من الإنجاز، فهو ببساطة مدير نجح في تحقيق مكاسب ضخمة للمجتمع، حين فشل غيره. هذا يفسر مثلاً عودة مهاتير محمد إلى حكم ماليزيا رغم تقدمه في السن.
كان العرب والمسلمون عموماً يميلون دائماً إلى النمط الثاني، أي الزعماء الذين يقدمون أنفسهم رموزاً للإيمان. وأحتمل أن هذا يرجع لوهم راسخ في ثقافة العرب، فحواه أن اجتماع الإيمان مع قوة الدولة، سيقيم المعادلة المستحيلة: السياسة والأخلاق، أو الدين والدنيا.
مظاهرات العراق تخبرنا أن الجمهور ما عاد مقتنعاً بهذا المفهوم. سنوات الخراب الطويلة التي مرت على البلد، تتطلب مديراً يوفر الكهرباء والوظائف والخدمات العامة والعيش الكريم. ولا يهم بعد هذا إن كان ملتحياً أو حليقاً. شعارات المتظاهرين وتحركاتهم تؤكد أن محور اهتمامهم هو عمل الحاكم وليس شخصه. سواء كان الزعيم ملتحياً أو معمماً أو بليغ الكلام أو ابن حمولة أو قبيلة نافذة، فالمعيار الذي يطبقونه هو إنجازه العملي وليس صفاته الشخصية.
تحول مفهوم الشرعية من النمط التقليدي إلى النمط العقلاني المرتبط بالإنجاز، ينبئ عن تحول آخر جوهري، وإن لم يكن شديد الوضوح، في الثقافة العامة، أعني به تحرر الجمهور من المخاوف المرتبطة بالهوية وقلق العلاقة مع الآخر المختلف في المذهب أو الآيديولوجيا. الصدريون، وهم تيار ديني، تحالفوا مع الحزب الشيوعي، فلم يواجهوا اعتراضاً يذكر بين الجمهور. بمعنى أن «الهوية» لم تعد مبعث توتر أو مؤشراً على الاتجاه السياسي.
ما حدث في العراق ليس تحولاً شاملاً حتى الآن. لكنه يقدم إشارات جدية إلى أن النسيج الثقافي العميق في المجتمع يتعرض لتغيير، ليس بضغط الدعاية ولا بتأثير زعيم، بل من خلال معاناة يعيشها الناس يومياً، فيعيدون تشكيل قناعاتهم وخياراتهم على ضوئها. وأرى أن هذا هو الذي سيجعل مستقبل العراقيين خيراً مما مضى.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة