إردوغان: إخضاع الديمقراطية للخصوصية

إردوغان: إخضاع الديمقراطية للخصوصية

الخميس - 29 شوال 1439 هـ - 12 يوليو 2018 مـ رقم العدد [14471]
في تبرير الامتناع عن إجراء إصلاحات ديمقراطية أوائل تسعينات القرن الماضي، رفع عدد من الدول الآسيوية شعار «القيم الآسيوية» التي تُغني - في رأي زعماء تلك الدول - عن متاعب الديمقراطية وتوازن السلطات وتداولها. قيل يومها إن الخصوصيات المحلية المستمدة من التراث الشعبي القائم على التعاون والولاء للدولة وعلى مزيج من الفلسفة الكونفوشيوسية والتقاليد الأبوية، هي الشكل الأنسب للحكم في تلك الأنحاء التي قاومت مدّ تغيير أطلقه اختفاء الاتحاد السوفياتي والديمقراطيات الناشئة في وسط أوروبا وشرقها.
التجربة والواقع قالا شيئاً آخر؛ ذلك أن انهيار الأسواق المالية الآسيوية في 1997 - 1998، والأزمة التي تبعته، أظهرا أنه ما من قاسم مشترك آسيوي يجمع بين تلك الدول وأسواقها على نحو يحميها من تقلبات الأسواق ودورات «الفقاعة - الانفجار»؛ من جهة، وأن هذه الدول مثلها مثل غيرها قد انخرطت في عولمة اقتصادية تنقلب كارثة محققة إذا أغفل اللاعبون مراقبة دوامات اللعبة ومتاهاتها؛ من جهة أخرى.
بيد أن مقولات الخصوصيات المطروحة في وجه الديمقراطية لم تنته مع الأزمة المالية الآسيوية. كانت الصين قد رسمت لنفسها مساراً آخر يعتمد القومية آيديولوجيا موازية للماركسية التي خرجت من تحت الأضواء منذ أيام الزعيم ماو تسي تونغ. رفضها الديمقراطية لا يصدر فقط عن وجود بديل محلي يعلو في الأهمية على الأفكار المستوردة؛ بل أيضا يأتي من تبيئة الماركسية الأوروبية وجعلها أقرب إلى الآيديولوجيا الصينية التقليدية عميقة الاحترام للدولة والأسرة والتراتبيات الهرمية السلطوية. وها هي الصين اليوم رائدة في نزعة التذرع بالخصوصيات لتأبيد الحكم الأحادي، الذي عاد إلى اختزال القيادة الجماعية المعمول بها منذ منتصف السبعينات، في شخص واحد. اعتماد النظام الديمقراطي، قالوا، هو استسلام للغرب واستعادة لهيمنته التي خرجت من باب نهاية الاستعمار لتطل من نافذة «حكم الشعب».
ما يحرض على الانتباه أن خصوصيات كثيرة تبرز مثل الفطر بعد المطر في كل أنحاء العالم، وتتشارك في تغليب الثقافة على السياسة والاقتصاد؛ فالرئيس التركي رجب طيب إردوغان الذي أفلح في تغيير نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي تنفيذي، من خلال الاستفتاء على الصلاحيات الرئاسية ثم الانتخابات الأخيرة، نجح في استبدال الإسلام بالعلمانية، كرديف للقومية التركية الحاكمة منذ عهد مصطفى كمال في عشرينات القرن الماضي. الإسلام أقرب إلى الخصوصيات التركية وقابل للترويج في أوساط الريفيين الأتراك وبرجوازية المدن الداخلية التي لم تستفد من الحكومات التي عملت على تغريب تركيا على مدى قرن من الزمن.
ويسع الرئيس التركي، الذي أقسم اليمين الاثنين الماضي، استخدام الخطاب الإسلامي القائم على العدالة والمساواة، لضمان استمرار التأييد له والبقاء في مأمن من المساءلة سواء في الإعلام الذي اشترى أنصاره القسم الأكبر منه، أو في القضاء الذي طوعه، وذلك بعدما حرم الجيش من دوره التقليدي الهائل، بحجة مكافحة منفذي انقلاب يوليو (تموز) 2016. لكن التركيز على الخصوصيات الإسلامية كهوية جامعة للأتراك، لا يأتي بالسهولة التي يرغب حزب العدالة والتنمية بها.
وسرعان ما تكشف مقولات الرحابة والسعة والرحمة، عن وجه شديد العداء لكل ما هو مختلف. فزعيم حزب الشعوب الديمقراطية الذي يمثل الأكراد، صلاح الدين ديمرطاش، لا يزال رهين السجن، فيما أفلح مؤيدوه في الصمود والعودة بكتلة كبيرة إلى البرلمان الجديد رغم الحملات الحكومية عليهم، وبعد فشل عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني. لكن العداء لا ينحصر في ما قد يبدو النقيض الكردي - العلماني لمشروع العدالة والتنمية بقيادة إردوغان التركي - الإسلامي، بل يمتد إلى كثير من ألوان الطيف السياسي، فلا عجب أن اتفق على خصومته ديمقراطيون وإسلاميون وأكراد وأتراك، وإن اكتفى هو بحليف قابل لشروط الزعامة الأحادية.
أما البنية السياسية للدولة فهي على عتبة تغيرات كبرى تجعل من إردوغان، كما هو معروف ومنتظر، الحاكم الوحيد في تركيا على نحو يشبه ما كان عليه حكام شرق آسيا في التسعينات الذين استندوا، مثل إردوغان، إلى النجاحات الاقتصادية والتنموية، والذين مثله أيضا ألقوا باللائمة في أزمة 1997 على المضاربات الخارجية وظروف خارجة عن السيطرة مثلما يفعل إردوغان حيال تدهور قيمة الليرة التركية.
لكن إردوغان، وعلى غرار كل الشعبويين الذين يتمددون في القارات الخمس، يدرك تماماً أهمية صناديق الاقتراع في الحصول على شرعية الحكم. وكثرة اللجوء إلى الاستفتاءات والانتخابات ليست دائماً علامة تدل على صحة النظام الديمقراطي، بل إنها تكون في أحيان كثيرة علامة على مرضه واعتلاله وطواعيته لمصالح الحكام. ويتلاقى إردوغان في هذا السياق مع أشباه له في أوروبا، خصوصاً الرئيس المجري فيكتور أوربان الذي صمم واحداً من أقل الأنظمة الأوروبية ديمقراطية بالاستناد إلى آراء الناخبين الذين قبلوا، بمعنى ما، مقايضة فساد السياسيين التقليديين الذين حكموا البلاد من نهاية الحقبة الشيوعية في المجر، بتسلط أوربان وجماعته الأعلى صوتاً والذين يحسنون اختراع قضايا تمس وجدان المواطن المكلوم بالشدائد الاقتصادية، فيصبح اللاجئون الآتون من بلدان إسلامية، نذيراً بفقدان المجر هويتها المسيحية والسبب في تفشي الجريمة والرذيلة... إلخ. وهو ما يجد أصداء له في حملة إردوغان التي لا نهاية لها على أتباع خصمه فتح الله غولن.
ولعل إردوغان هو الأحدث في سلسلة «الرجال الأقوياء» الذين يتولون الحكم برضا مواطنيهم، لكن مجرد وصولهم إلى سدة السلطة شبه المطلقة ينبئ باقتراب الكوارث.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة