الروس... دور المستضعفين المنتصرين

الروس... دور المستضعفين المنتصرين

الجمعة - 23 شوال 1439 هـ - 06 يوليو 2018 مـ رقم العدد [14465]
خصص زعيم المعارضة الروسية أليكسي نافالني، الذي غادر محبسه يوم بدء بطولة كأس العالم لكرة القدم في روسيا، جُل وقته مؤخراً في تنظيم الاحتجاجات ضد رفع سن التقاعد لتتزامن مع فعاليات بطولة كأس العالم. غير أن أغلب محتويات حساب نافالني على «تويتر» كانت موجهة لمباراة المنتخب الروسي في مواجهة المنتخب الإسباني.
وغرد نافالني خلال المباراة قائلاً: «إنني متوتر للغاية. لقد تناولت كيسين كبيرين من رقائق البطاطا حتى الآن، وأمسك بالكيس الثالث في يدي». وقال بعد نهاية المباراة: «يا لها من مباراة جميلة. لقد انهارت آمال إسبانيا، وحارس المنتخب الروسي إيغور أكينفيف بطل مغوار بعد نجاحه في صد ركلتي جزاء إسبانيتين قويتين».
ولم تكن لحالة الابتهاج التي غمرت الشوارع الروسية، واستمرت طوال الليل، من علاقة بأي أهداف دعائية كانت حكومة الرئيس فلاديمير بوتين قد حددتها بشأن بطولة كأس العالم. بل كانت لها علاقة أكيدة وكبيرة بذلك النوع من الانتصارات الذي يفضله الشعب الروسي: الانتصار المنصف، الذي يعترف به العالم أجمع، والمُعجز بصورة من الصور.
وفي مجتمع غير استبدادي، من المستحيل اصطناع عرض من الفرحة الخالصة. وكان يوم الأحد الماضي حقيقياً، لأسباب أقلها أنه لم يكن يتعلق بأمر ما صنعته الحكومة الروسية، بل كان منتخباً وطنياً، والذي لم يكن أحد يتوقع قبل بدء البطولة، بالرغم من كل الصعاب، أن يفوز بمباراة ربع النهائي للمرة الأولى في حقبة ما بعد الاتحاد السوفياتي، ويرسل واحداً من أقوى المنتخبات المنافسة إلى بلاده، ذلك الذي تفوق على المنتخب الروسي في كل الحسابات الإحصائية. وكانت ردود الفعل على تصرفات بوتين - من ضم شبه جزيرة القرم أو الانتصارات العسكرية على الانفصاليين الشيشان، أو في الحرب الأهلية السورية، على سبيل المثال - قد حازت أكثر الاحتفالات صمتاً مقارنة بإنجازات كأس العالم الحالية.
كانت سيطرة المنتخب الإسباني على الكرة خلال المباراة تبلغ 79 في المائة، وسدد 25 ركلة مقابل 7 ركلات للمنتخب الروسي. وكانت دقة تمريرات المنتخب الإسباني تبلغ 90 في المائة مقابل 65 في المائة للمنتخب الروسي. وكان ذلك متوقعاً للغاية مع اعتبار القيمة السوقية للمنتخب الروسي التي تقدر بـ161.8 مليون يورو (188.3 مليون دولار) مقارنة بنحو 974 مليون يورو للمنتخب الإسباني. كما سجلت روسيا هدفاً مبكراً في بداية المباراة منحني شعوراً قوياً بالكارثة الوشيكة.
وكان المنتخب الروسي سيئ الحظ، بمديره الفني ستانيسلاف شيرشيسوف الذي لازم مقاعد بدلاء حراس المرمى خلال معظم فترات حياته الكروية المهنية، والذي غالباً ما يوصف بأنه من أسوأ المنتخبات الكروية في جيله، قد نالته الهزيمة من كوستاريكا وقطر. ولقد كان انتصارا هذا المنتخب المستضعف، المقنعان وغير المتوقعين ضد المنتخبين السعودي والمصري، قد دعوا ترافيس تيغارت، رئيس وكالة مكافحة المنشطات الرياضية الأميركية، إلى زيادة إجراء اختبارات الكشف عن المنشطات، قائلاً: «إن الأداء الرياضي الاستثنائي يستلزم المزيد من الاختبارات».
ولا يزال هذا المنتخب مستضعفاً لدرجة أن هناك ادعاءات واسعة الانتشار على مختلف المنصات الاجتماعية - تلقى تلك الادعاءات زخماً كبيراً لدى الشعب الأوكراني - بأن روسيا قد دفعت رشاوى كثيرة لجهات متعددة بهدف الحصول على بطولة مشرفة، بما في ذلك الفيفا ذاتها، من أجل أن تضع في المجموعة الروسية أسهل المنتخبات المنافسة. ومن الشخصيات غير المرجح تماماً دفاعهم عن روسيا نجد ألكسندر ريكلين، أحد أكثر المعلقين معارضة ومناهضة للرئيس بوتين، والذي أغلقت الجهات الرقابية الحكومية الروسية موقعه الشخصي، وكان قد أشار على صفحته على موقع «فيسبوك» أنه ليس من أحد في الهيئة العليا لكرة القدم سوف يضحي بسمعته ويضعها على المحك بهذه الطريقة الساذجة.
فلن يشك عاقل في أن الزعماء المحليين سوف يبذلون أقصى الجهود الممكنة لنقل روسيا إلى الجولة الثانية عن طريق دفع الرشاوى، إن سنحت لهم الفرصة في ذلك. غير أن سمعة المسؤولين لدينا لا تسمح بأي شكوك من هذا القبيل. ولكن من يمكن أن يتلقى الرشوة في مثل هذه الحالة، ومن سوف يكون الطرف الآخر لصفقة كهذه؟
ولمفاجأة وفرحة الشعب الروسي التي لا تنتهي، المؤيدين أو المعارضين لبوتين، كانت الانتصارات بفضل المنتخب الوطني الروسي (وكان على شيرشيسوف أن يجلب اللاعب سيرغي إغناشيفيش البالغ من العمر 38 عاماً، والذي لم يوقع العقد لموسم العام المقبل بعد، من أجل اللعب في مركز قلب الدفاع الحيوي، نظراً لأن المدير الفني يفتقر للبديل المناسب). وهذا المنتخب الروسي بالكامل، وغير النخبوي بالمرة، يلعب مثل المصارعين لكل ركلة من ركلات الكرة؛ وفي واقع الأمر، لقد تمكنوا من تغطية عدد أكبر من الأميال مقارنة بأي منتخب آخر باستثناء منتخبات صربيا، وألمانيا، وأستراليا، وكلهم خرجوا من البطولة حتى الآن.
وبرغم أن الحكايات الشعبية الروسية تسمح بانتصار وفوز المتسكعين والمشردين، فإن هذه ليست حالة المنتخب الوطني الروسي. بدلاً من ذلك، فإن أفضل وصف للمنتخب الروسي هو ما قاله المهاجم الروسي أرتيم ديزيوبا قبل المباراة مع إسبانيا:
إن ما يحدث أشبه بالقصص الخيالية لنا جميعا. وهذا أمر يحدث طوال الوقت بالنسبة إلى إسبانيا، لكن بالنسبة إلينا هي مباراة حياتنا. لا بد أن نموت على أرض الملعب. وأن نبذل قصارى جهدنا، وأن نلعب بنسبة 200 إلى 300 في المائة كلما أمكننا ذلك، عندها فقط سوف تسنح لنا الفرصة المنتظرة.
ومع مشاهدة أرتيم ديزيوبا يفوز بكرة تلو الأخرى في مواجهة اللاعبين الإسبان الأفضل في كل شيء كنت أعرف أنه يقصد ما قاله بالضبط.
وكانت رسالة المنتخب الوطني الروسي شديدة الوضوح لبقية أنحاء البلاد: إن استطعنا الفوز، فسوف يمكنكم ذلك أيضاً، وقد يرغب سدنة الكرملين حصد ثمار ذلك الانتصار، ولكن ليس هناك من سبيل أمامهم إلى بلوغ هذه الغاية.
- بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة