انكشاف رومي شنايدر

انكشاف رومي شنايدر

الأحد - 4 شوال 1439 هـ - 17 يونيو 2018 مـ رقم العدد [14446]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.

«لست نساء أفلامي. أنا امرأة مكتئبة في الثانية والأربعين اسمها رومي شنايدر». لعل هذا الإقرار المنطوق بصوت ملتاع هو أكثر ما يعلق بذهن المشاهد من فيلم «ثلاثة أيام في كيبرون» للمخرجة إميلي عاطف. وإذا كانت رومي قد تخففت من ثيابها في بعض أفلامها فإننا نراها هذه المرة عارية الروح، مجروحة وحائرة وفاقدة لزمام نفسها. نجمة جميلة محبوبة تنسحب حياتها من تحت قدميها. ما الذي أعاد إلى الشاشة ممثلة غابت عن الدنيا في 1982؟
قبل ذلك التاريخ بفترة وجيزة، أمضت رومي شنايدر أياماً في مصح علاجي في كيبرون، بلدة على الساحل الغربي لفرنسا. كانت وحيدة قبل أن تلتحق بها صديقتها الوفية هيلدا. كما استقبلت في المصح الصحافي مايكل جورغس والمصور روبرت ليبيك من مجلة «شتيرن» الألمانية. وافقت على الإدلاء بمقابلة صريحة وطويلة. ومن تلك الأيام الثلاثة التي استغرقتها المقابلة، استقت مخرجة الفيلم حكاية حميمة صوّرتها في مواقعها الأصلية. فيلم بالأبيض والأسود يتلون بكل ما يمكن لنفس تتعذب أن تفصح عنه. يقوم بالدرجة الأولى على الأداء الفذ للممثلة الألمانية ماري بومر، التي تشبه رومي بشكل صاعق.
لم يكن الصحافي رفيقاً بها. راح يطرح أسئلة مزعجة تتعلق بحياتها الخاصة وعلاقتها المضطربة بوالدتها الممثلة ماغدا شنايدر وبابنها المراهق ديفيد. صارحها أن مواطنيها الألمان ممتعضون من قبولها أدواراً لا تليق بها في أفلام فرنسية. لقد عرفوها في سلسلة الأفلام الناجحة التي أدت فيها دور الإمبراطورة النمسوية سيسي، وكان عليها أن تحافظ على المستوى. تعترض هيلدا على جرأة الصحافي لكن رومي تطلب من صديقتها مغادرة الغرفة وتلتفت إلى الصحافي لتواجه صفاقته بكامل هشاشتها. نجمة تجاوزت الأربعين تحتاج للعمل لكي تعيش. تطالعه بعيني طفلة وهو يسألها: «أين ذهبت فلوس 50 فيلماً؟». كأن ألمانيا كلها جاءت لتحاسب ابنتها العاقة التي هجرت موطنها وتجنست فرنسية وارتمت في أحضان رجل أحبته ثم افترقا: آلان ديلون.
حال تسرب أخبار الفيلم، أعلنت سارة بيازيني، ابنة رومي شنايدر، اعتراضها على تشويه ذكرى والدتها وتصويرها مدمنة على الشراب والتدخين. قالت: «هذه ليست أمي». وكان رد إميلي عاطف، المخرجة الألمانية الإيرانية الأصل، أنها سعت لتقديم الوجه الإنساني الكامن وراء قناع النجومية. رومي عنوان لمأساة تغري الروائيين والسينمائيين. ممثلة شهيرة فقدت ابنها في حادث بشع. سقط من النافذة واخترق سياج الحديقة جسده. ومعه خسرت رومي طمأنينتها واستغرقت في الشراب والعقاقير المهدئة. إلى أن كان صباح ربيعي جميل، دخلوا عليها في شقتها الباريسية ووجدوها بلا حراك، جالسة إلى طاولة الكتابة. وكانت هناك رسالة اعتذار، لم تكتمل، عن موعد للتصوير لأن طفلتها أصيبت بالحصبة.
جرعة زائدة من المهدئات أم انتحار أم سكتة قلبية؟ أغلق المحقق الملف وتغاضى عن تشريح الجثة «لكي لا نثلم الأسطورة»، حسبما جاء في تقرير النيابة. ودفنت رومي شنايدر في القرية التي تملك فيها بيتاً ريفياً، غرب باريس. وبعد أيام نقلوا رفات ابنها ديفيد ليجاورها في رقدتها. وحضر حشد من أصدقائها الفنانين جنازتها لكن آلان ديلون لم يكن بينهم. انتظر انفضاض المصورين وزار قبرها وحيداً. بعد انصرافه شوهدت ورقة تركها على الرخام. رسالة يقول لها فيها إنها كانت أجمل النساء، ومن أجلها تعلم كيف يلفظ «إيش ليبي ديش»، أحبكِ بالألمانية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة